اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسامة ابو طالب : الحوكمة.. حين تكون المؤسسة أكبر من الأشخاص

اسامة ابو طالب : الحوكمة.. حين تكون المؤسسة أكبر من الأشخاص
أخبارنا :  

في عالم الإدارة الحديثة، لم تعد الحوكمة ترفًا تنظيميًا، ولا مجموعة من التعليمات واللجان والتقارير، كما أنها لا تُختزل في الرقابة المالية وسلامة الإنفاق. الحوكمة في معناها الأعمق هي فلسفة إدارة المؤسسة؛ كيف يُصنع القرار، وعلى أي معلومة يستند، ومن يملك صلاحية اتخاذه، ومن يتحمل مسؤوليته، وكيف يُقاس أثره، وكيف تبقى المؤسسة قادرة على العمل والإنجاز مهما تغيرت الأسماء والمواقع.

 

فالمال جزء من الحوكمة، لكنه ليس كل الحوكمة. قد تكون الحسابات سليمة، ومع ذلك تكون المؤسسة ضعيفة إذا احتُكرت المعلومة، أو تداخلت الصلاحيات، أو غابت المساءلة، أو أصبحت القرارات مرتبطة بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالنظام، أو اختلطت المصلحة الشخصية بالمصلحة المؤسسية.

وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين إدارة الموقع وبناء المؤسسة.

فالمؤسسات القوية لا تُبنى على افتراض أن من يقودها سيكون دائمًا الأفضل والأكثر نزاهة وخبرة، وإنما تبني نظامًا يجعل القرار واضحًا، والصلاحيات محددة، وتعارض المصالح منضبطًا، والمساءلة ممكنة، والخطأ قابلًا للاكتشاف والتصحيح. فالأشخاص مهما بلغت كفاءتهم يتغيرون، أما المؤسسة فيجب أن تبقى.

ولهذا فالمؤسسة الناضجة لا تقول: ثقوا بنا لأننا أشخاص جيدون، بل تقول: لدينا برنامج عمل ضمن نظام يجعل القرار قابلًا للفهم والمراجعة والمساءلة مهما تغيرت الأسماء.

والحوكمة بهذا المعنى لا تنتقص من القائد الجيد، بل تحميه وتحمي المؤسسة معه. فالاستقلالية لا تعني الحصانة، كما أن الرقابة لا ينبغي أن تتحول إلى وصاية. والشفافية بدورها لا تعني أن تصبح كل تفاصيل المؤسسة متاحة للجميع أو أن تُدار المؤسسات في الساحات العامة؛ بل تعني وضوح القرار والمسؤولية، وإتاحة ما يجب إتاحته، وحماية ما تقتضي المصلحة المؤسسية والقانون حمايته.

والحوكمة الرشيدة لا تسأل فقط: هل كان القرار قانونيًا؟ بل تذهب أبعد من ذلك: هل كان القرار رشيدًا؟ هل استند إلى معلومات كافية؟ هل دُرست البدائل؟ هل عولج تعارض المصالح؟ والأهم: هل حقق القرار الغاية التي اتُخذ من أجلها؟

وهنا نصل إلى التحول الأهم في الفكر الإداري: من إدارة النشاط إلى إدارة الأثر.

فكثرة الاجتماعات ليست إنجازًا، وعدد المبادرات والاتفاقيات ليس مقياسًا كافيًا للنجاح. السؤال الحقيقي هو: ماذا تغيّر لأننا عملنا؟ وما القيمة التي أضافتها المؤسسة لمن وُجدت من أجلهم؟

فالحوكمة ثقافة قبل أن تكون أنظمة؛ تبدأ عندما يصبح السؤال حقًا لا تهديدًا، والرأي المختلف إضافة لا خصومة، والاعتراف بالخطأ قوة لا ضعفًا، وتداول المسؤولية ممارسة طبيعية لا أزمة تهدد المؤسسة.

فالقيادة الجيدة قد تصنع نجاحًا لمرحلة، أما الحوكمة الجيدة فتصنع مؤسسة قادرة على النجاح عبر المراحل.

ولهذا فإن المعادلة التي تحتاجها مؤسساتنا اليوم ليست معقدة:

قرار مستقل… إدارة شفافة… مساءلة عادلة… رقابة رشيدة… وأثر قابل للقياس.

ففي النهاية، لا تُقاس قوة المؤسسات بقدرتها على منع الأسئلة، بل بقدرتها على الإجابة عنها، ولا بقوة الأشخاص الذين يقودونها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار بعدهم.

فالنجاح الحقيقي ليس أن نبني مؤسسة تحتاج إلى بطل كي تنجح، بل أن نبني مؤسسة يكون نظامها أقوى من الأشخاص، وأثرها أبقى من المواقع.

ــ الراي


مواضيع قد تهمك