محمد جلال عباسي : المعادلة الخفية لاختيار رؤساء فلسطين
تختلف آليات اختيار الحكام حول العالم وفق منظومات مستقرة ومحددة؛ فالديمقراطيات المؤسسية تعتمد صندوق الاقتراع وتداول السلطة، والممالك تعتمد السلالة والتوريث، بينما تفرز حركات التحرر قادتها الميدانيين ليحكموا كقادة دول بعد الاستقلال الكامل. لكن الحالة الفلسطينية تقف كمفارقة سياسية فريدة، جمعت بقايا هذه النماذج ودخلت في منطقة رمادية بالغة التعقيد.
يتساءل الكثيرون: لماذا لم تتصدر العائلات الفلسطينية العريقة أو أشرس المناضلين الميدانيين المشهد الرئاسي الدائم؟ الإجابة تكمن في زلزال نكبة 1948. تسببت النكبة في تفتيت النفوذ التقليدي للعائلات الكبرى.
,برز جيل جديد من الطبقة الوسطى واللاجئين، وأسسوا حركات تعتمد على "الشرعية التنظيمية" بدلاً من الوجاهة العائلية، مما مهد الطريق لزعامات براغماتية مثل ياسر عرفات (الذي تعود جذوره لغزة) ومحمود عباس (اللاجئ المهجر من صفد).
لم يكن تفرد "أبو عمار" ولاحقاً "أبو مازن" بالقرار نتاجاً لتدرج ديمقراطي طبيعي فحسب، بل شُكل المشهد عبر عاملين حاسمين. تدخلت إسرائيل في هندسة المشهد قسرياً عبر اغتيال القيادات الكاريزمية مما أفرغ الساحة لصالح الجناح السياسي. واحتفظ الرئيس عرفات بموقعه لسنوات لجمعه بين رمزية النضال واستقلالية القرار المالي، في حين صعد محمود عباس بوصفه المهندس لعملية التسوية (أوسلو) والشخصية التي تمتلك أوسع قبول دولي لإدارة سلطة مدنية.
في الدول المستقلة، يمتلك الشعب والمؤسسات الوطنية حق اختيار الرئيس. أما في فلسطين، فقد أصبح الوصول إلى هذا المنصب يخضع لمعادلة "الفيتو المزدوج":
1- حصر شرعية القيادة داخل هياكل منظمة التحرير لحماية النظام من الانهيار في ظل تعطل الانتخابات.
2- اشتراط قبول المانحين والمجتمع الدولي بالرئيس، والتزامه الصارم بالاتفاقيات الأمنية والاقتصادية.
هنا نصل إلى الحقيقة المفاجئة في بنية النظام السياسي الفلسطيني: الآلية التي يتم بها اختيار الرئيس اليوم لم تعد مصممة لإنتاج "قائد حركة تحرر"، بل لإنتاج "مدير أزمة".المهارات الدبلوماسية والبراغماتية التي صعدت بهؤلاء القادة، تحولت إلى فخ سياسي. فرض النظام الدولي واقعاً قاسياً؛ حيث يُطلب من الرئيس ممارسة بروتوكولات رئيس الدولة وتحمل أعباء الإدارة، ولكنه يُحرم من السيادة الحقيقية التي توفرها الدولة المستقلة.
هذا الانفصال الجذري بين شارع فلسطيني لا يزال يعيش عقلية الثورة، وقيادة مقيدة بسلاسل الإدارة والتمويل، يفسر الفجوة العميقة التي نراها اليوم. واعتقد ان الجيل الفلسطيني الشاب قادر في المستقبل القريب على إفراز نموذج قيادي جديد يكسر هذه المعادلة الوظيفية ويتجاوز قيود الفيتو الدولي.