حلمي الاسمر : حق العودة إلى .. المخيم!
في عام 1948، خرج الفلسطيني من بيته، من قريته، من مدينته، وفي يده مفتاحٌ لم يعد يفتح شيئاً. حمل معه صورة البيت، أو اسم القرية، أو حكاية قالها له أبوه. سار إلى المخيم وهو يعرف في أعماقه أن الخيمة ليست بيتاً، وأن المخيم ليس وطناً، وأن اللجوء حالة عابرة مهما طال الزمن. كان «حق العودة» يعني شيئاً واحداً واضحاً: العودة إلى فلسطين. إلى القرية التي هُجّر منها. إلى البيت الذي اقتُلع منه. إلى الأرض التي انتُزعت من تحت قدميه.
لكن الفلسطيني في عام 2026 يقف الآن أمام تعريف جديد، أكثر قسوة، وأكثر سخرية من التاريخ نفسه: لم يعد يطالب فقط بالعودة إلى فلسطين... بل صار يطالب بأن يُسمح له بالعودة إلى المخيم!
في نهاية هذا الشهر، يُفترض أن ينتهي وجود الجيش الإسرائيلي في مخيمات شمال الضفة الغربية: جنين، وطولكرم، ونور شمس. يُفترض أن تنتهي عملية عسكرية تركت وراءها دماراً واسعاً وتهجيراً لسكانها. ويُفترض، وفق أبسط قواعد المنطق والقانون والإنسانية، أن يعود أهل المخيمات إلى ما تبقى من بيوتهم، وأن تبدأ عملية إعادة البناء، وأن يعود المكان إلى أصحابه.
لكن المؤشرات التي تتوالى لا تبعث على الاطمئنان. فالمسألة قد لا تكون مجرد عملية عسكرية تنتهي بانسحاب الجيش. ثمة خشية فلسطينية متزايدة من أن يتحول التدمير إلى وسيلة لإعادة تشكيل المكان، وأن يصبح الخراب نفسه أداة لمنع العودة. والأسوأ أن تجربة المخيمات الثلاثة قد لا تكون الأخيرة، مع الحديث عن احتمال تكرار النموذج في مخيم بلاطة.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تتوقف أمامها البشرية كلها.
كان الفلسطيني عام 1948 يطالب بحقه في العودة إلى البيت. وفي عام 2026، بعد ثمانية وسبعين عاماً من اللجوء، أصبح يطالب بحقه في العودة إلى المخيم!
أيُّ تاريخ هذا الذي يستطيع أن يقلب الضحية إلى لاجئ مرتين؟
المخيم الذي أُنشئ أصلاً ليكون شاهداً على اقتلاع الفلسطيني من وطنه، يتحول اليوم إلى مكان يُقتلع منه الفلسطيني مرة أخرى. لم يعد المخيم محطة انتظار للعودة إلى الوطن فحسب؛ أصبح هو نفسه مهدداً بأن يتحول إلى وطن مؤقت يُمنع صاحبه حتى من العودة إليه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من جنين وطولكرم ونور شمس وبلاطة.
إذا مُنع اللاجئ من العودة إلى المخيم، فأين يُراد له أن يعود؟
إلى البيت الذي هُدم؟
إلى القرية التي مُسحت؟
إلى الأرض التي لا يستطيع الوصول إليها؟
أم إلى منفى جديد؟
هذه هي العبقرية السوداء للاقتلاع حين يتحول من فعل عسكري مؤقت إلى سياسة دائمة: لا يكفي أن تُقتلع من وطنك؛ يجب أن يظل المكان الذي لجأت إليه قابلاً للاقتلاع أيضاً.
وفي هذه اللحظة تحديداً، تصبح عبارة «حق العودة» أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لأن القضية لم تعد فقط قضية ملايين اللاجئين الذين ينتظرون تنفيذ قرارات الأمم المتحدة والعودة إلى ديارهم الأصلية؛ بل أصبحت أمام سؤال جديد لم يكن أحد يتصور أن يضطر الفلسطيني إلى طرحه:
هل لي حق في العودة إلى المخيم الذي لجأت إليه بعدما طُردت من وطني؟
يا لها من مسافة قطعها التاريخ الفلسطيني!
من حق العودة إلى الوطن...
إلى حق العودة إلى المخيم.
والأشد إيلاماً أن المخيم نفسه لم يكن يوماً وطناً.
كان شاهداً على غياب الوطن.
واليوم يريد الاحتلال أن يمحو حتى الشاهد.