د. حمد الكساسبة : نحو هيئة إقليمية لسلامة الممرات المائية والطاقة
في اقتصاد الطاقة، لا تتحدد قيمة المورد بكمية ما يُنتج منه فقط، بل بقدرته على الوصول إلى السوق بانتظام وبكلفة يمكن توقعها. فكل اضطراب في الممرات المائية يضيف كلفة إلى الشحن والتأمين والتمويل، ويرفع درجة عدم اليقين أمام المنتج والمستثمر والمستهلك. ومع تكرار هذه الضغوط، تصبح كلفة الطريق جزءًا من كلفة الطاقة نفسها. لذلك فإن سلامة الممرات لم تعد شأنًا بحريًا منفصلًا، بل عنصرًا من عناصر القدرة التنافسية لاقتصادات المنطقة واستقرار تجارتها الخارجية.
وتتقاطع مصالح دول المنطقة عند هذه النقطة بوضوح. فالدول المنتجة تحتاج إلى استمرار صادراتها، والموانئ تحتاج إلى حركة منتظمة، وقطاعات النقل والخدمات اللوجستية تحتاج إلى بيئة قابلة للتنبؤ، فيما تحتاج الأسواق إلى إمدادات مستقرة وأسعار أقل تعرضًا للصدمات.
وفي نهاية هذه السلسلة تقف شعوب المنطقة، لأن ارتفاع كلفة النقل والتأمين ينتقل تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والسلع والطاقة، ويؤثر في الاستثمار والنمو وفرص العمل.
من هنا تأتي فكرة إنشاء هيئة إقليمية لسلامة الممرات المائية والطاقة، بوصفها أداة اقتصادية للتنسيق وإدارة المخاطر، لا جهة لإدارة السيادة أو إعادة توزيع الصلاحيات. تبقى الاختصاصات الوطنية محفوظة، بينما تعمل الهيئة في المجالات التي تحقق منفعة مشتركة: تبادل المعلومات، والإنذار المبكر، وسلامة الملاحة، والاستجابة للطوارئ، واستمرارية حركة التجارة والطاقة عند التعطل. وتقوم العضوية على مبدأ بسيط: تحتفظ الدول الساحلية بمسؤولياتها واختصاصاتها الأصيلة، فيما تشارك الدول الإقليمية المرتبطة بالممر والدول المستخدمة له وأصحاب المصلحة في مجالات التعاون الفني والاقتصادي التي تخدم سلامة الملاحة واستمرارية التجارة وتدفقات الطاقة.
القيمة الاقتصادية للهيئة تبدأ من خفض كلفة عدم اليقين. فشركات الشحن والتأمين لا تسعّر الخطر وفق الحوادث وحدها، بل وفق قدرتها على تقديره والتعامل معه. وكلما تحسنت المعلومات، ووضحت قنوات الاتصال، وتوافرت خطط للطوارئ، أصبحت المخاطر أكثر قابلية للإدارة. وقد لا تختفي علاوة المخاطر بالكامل، لكنها قد تصبح أقل تقلبًا وأكثر قابلية للتقدير، وهو ما ينعكس على كلفة النقل والتمويل وجاذبية المنطقة للاستثمار.
ولا تحتاج الهيئة في بدايتها إلى جهاز إداري واسع. يمكن أن تبدأ بمركز للمعلومات والإنذار المبكر، وقنوات اتصال مباشرة عند الحوادث، ومؤشرات دورية لمخاطر الشحن والتأمين، وخطط لاستمرار الحركة عند التعطل. ويمكن أن تشمل مجالات عملها سلامة الملاحة، وحماية البيئة البحرية، ورفع جاهزية الموانئ والمسارات البديلة. ويكون معيار نجاحها بسيطًا وقابلًا للقياس: سرعة الاستجابة، وتقليل فترات التعطل، وتحسن القدرة على تقدير المخاطر، واستقرار كلفة النقل.
ولهذه الفكرة أرضية عملية يمكن البناء عليها من دون تعقيد. فالقانون الدولي للبحار يتيح التعاون في سلامة الملاحة، كما تقدم تجارب دولية نماذج لتنسيق فني بين الدول الساحلية والمستخدمين وأصحاب المصلحة مع الحفاظ على الاختصاصات الوطنية. ولا تمتد مهمة الهيئة إلى الخلافات التجارية أو أنظمة العقوبات أو ترتيبات تصدير الطاقة؛ بل تقتصر على سلامة الممرات وإدارة المخاطر واستمرارية الملاحة. فالفصل بين سلامة الطريق والخلاف حول بعض ما يمر عبره يسمح بحماية مصلحة اقتصادية مشتركة من دون اشتراط حل بقية الملفات أولًا.
ومن الأفضل أن تبدأ الهيئة من نطاق محدود وقابل للقياس، ثم تتوسع وفق النتائج. ويمكن أن يكون أحد الممرات الأعلى أهمية لتجارة الطاقة نقطة بداية عملية، على أن يمتد التعاون تدريجيًا إلى ممرات أخرى كلما أثبتت التجربة فائدتها. فنجاح محدود يخفض المخاطر ويزيد القدرة على التنبؤ أكثر قيمة من مؤسسة كبيرة تبدأ باختصاصات واسعة. والهدف هو بناء الثقة من خلال النتائج الاقتصادية، لا من خلال كثرة الهياكل أو الاجتماعات.
والعائد المحتمل يتجاوز النفط والغاز. فاستقرار الممرات يدعم الموانئ، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية، والتجارة، والسياحة، والاستثمار، ويساعد على الحد من انتقال كلفة الاضطراب إلى أسعار السلع وسلاسل الإمداد. وفي اقتصاد عالمي أصبحت فيه الموثوقية عاملًا أساسيًا في قرارات الاستثمار، فإن قدرة المنطقة على إدارة مخاطرها تمنحها ميزة إضافية إلى جانب مواردها وموقعها وبنيتها التحتية. وبذلك يصبح استقرار الممرات جزءًا من بيئة الأعمال نفسها.
وفي النهاية، لا تحتاج دول المنطقة إلى الاتفاق على جميع الملفات حتى تتعاون في حماية مصلحة اقتصادية تخدم الجميع. فسلامة الممرات تعني تجارة أكثر استقرارًا، ومخاطر أكثر قابلية للإدارة، واستثمارات أكثر قدرة على التخطيط، وسلاسل إمداد أكثر موثوقية. وإذا نجحت هيئة إقليمية في تحويل سلامة الممرات إلى عمل اقتصادي منظم، فإنها لن تحمي الطريق فقط، بل ستضيف قيمة إلى ما يمر عبره. فالطريق الآمن إلى السوق ليس مجرد وسيلة لنقل الثروة؛ إنه جزء من قيمة الثروة نفسها.