م. عبد الفتاح الدرادكة : تغيير مسرب
لقد كُتب مرات عديدة حول معاناة قيادة السيارة في الأردن، والمرتبطة بازدحام الطرق أو كثافة أعداد المركبات، ويبدو أن الموضوع يتطلب مواصلة الكتابة والاستمرار في التحذير من نتائج الممارسات اليومية، والتأكيد على الموضوع نفسه، وهو السلوكيات المرورية الخاطئة التي يمارسها بعض السائقين، وكأن الطريق العام تحول إلى مساحة مفتوحة لكل من يريد أن يقود وفق مزاجه، دون اكتراث بحقوق الآخرين أو سلامتهم.
أتذكر أن قيادة السيارات في الأردن، في بداياتها وحتى عقود قريبة، ارتبطت بصورة أو بأخرى بالجيش العربي؛ فقد كان كثير من السائقين الأوائل يتعلمون القيادة على أيدي عسكريين، وكان الانضباط العسكري ينعكس على سلوكهم في الطريق. وقد تعلمنا نحن أيضًا على أيدي سائقين من خريجي المدرسة العسكرية، فكان احترام قانون السير، وإعطاء الأولويات، واستخدام الغماز، والالتزام بالمسرب، أمورًا أساسية لا مجال للتهاون فيها.
وكنا نلمس هذا الانضباط بوضوح في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وحتى بدايات القرن الحالي. أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة لافتة، وأصبحنا نشاهد ممارسات يومية تؤذي السائقين وتخلق التوتر والفوضى، بل وقد تؤدي إلى الحوادث والمشاجرات.
ومن أكثر الظواهر التي تستحق التوقف عندها ما يمكن تسميته «تغيير المسرب»؛ أي أن السائق لم يعد ينتظر دوره في الطابور المروري. فإذا كان هناك صف من السيارات يمتد مئات الأمتار، قد تأتي سيارة أو سيارتان أو ثلاث، وتتجاوز المنتظرين، ثم تحشر مقدمتها بين السيارات، وكأن قاعدة الأصول واحترام الغير والقانون لم تعد موجودة. وقد وصفت ذلك في مقال سابق بأن من يقومون بذلك يخالفون القانون متعمدين، وكأن على رأسهم ريشة!
لقد انتقلنا، بصورة ساخرة ومؤسفة، من استخدام غماز السيارة لتغيير المسرب إلى استخدام بوز السيارة لتغيير المسرب!
إن مخالفة تغيير المسرب كانت من المخالفات التي كنا نعاني منها كثيرًا، حتى وإن كانت الشوارع آنذاك لم تكن مزدحمة بالشكل الذي هي عليه اليوم، وقد تعرض كاتب هذه السطور لعدد منها في تسعينيات القرن الماضي. بينما يبدو اليوم أن هذا السلوك أصبح منتشرًا بصورة أكبر، في الوقت الذي لا نشاهد فيه الحزم نفسه في ضبطه. لذلك أتمنى من الجهات المعنية إعادة النظر في التعامل مع هذه المخالفة، لما لها من أثر مباشر في انسيابية المرور، ومنع الفوضى والاحتكاك بين السائقين.
ولا تقف المشكلة عند هذا الحد؛ فهناك أيضًا ظاهرة السماح لبعض الأطفال أو الأحداث بقيادة السيارات قبل بلوغ السن القانونية. وقد تعرضت شخصيًا قبل أيام لموقف مؤسف، عندما تسبب حدث في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره بصدم ثلاث سيارات متوقفة أمام منزلي. ولحماية حقوق أصحاب السيارات وعدم ضياع حقوقهم التأمينية، اضطررنا إلى قبول أن يدّعي والده أنه كان يقود المركبة.
وهنا، في تقديري، تكمن مفارقة مؤلمة؛ فبدلًا من أن يتحمل من سمح لحدث بقيادة مركبة دون رخصة المسؤولية القانونية المترتبة على ذلك، يجد المتضرر نفسه في مواجهة مشكلة أخرى تتعلق بإثبات المسؤولية والحصول على حقوقه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطبيق القانون بحزم على من يقود دون رخصة، وعلى من يسمح له بذلك، بما يردع هذه الممارسات ويمنع تكرارها.
وهنا تبرز مشكلة تحتاج إلى معالجة تشريعية وتأمينية واضحة: لماذا يتحمل صاحب المركبة المتضررة تبعات مخالفة لم يرتكبها؟ ولماذا تصبح حقوقه عرضة للضياع بسبب قيادة شخص غير مرخص له بالقيادة؟
المطلوب أن تراجع الجهات المختصة شروط التأمين وآليات التعويض في مثل هذه الحالات، بحيث لا تضيع حقوق المتضررين، مع احتفاظ شركات التأمين بحقها في الرجوع على المتسبب أو مالك المركبة وفق القانون. فالمتضرر لا ذنب له في أن المركبة قادها شخص دون السن القانونية، ولا ينبغي أن يتحول خطأ غيره إلى عبء يقع عليه.
إن معالجة أزمة المرور لا تكون فقط بزيادة عدد الشوارع والجسور والإشارات، وإنما تبدأ بإعادة الانضباط إلى سلوك مستخدمي الطريق، وتطبيق القانون بعدالة وحزم، مع مراعاة أن الهدف يجب أن يكون ردع المخالفين وحماية مستخدمي الطريق، لا جمع الأموال من المخالفات. فالمخالفة التي لا تجد ردعًا كافيًا ستتكرر، ومن أمن العقاب أساء الأدب، وفي حالتنا المرورية يمكن القول: من أمن العقاب استمر في «بلطجة المخالفات» التي أصبحت، للأسف، من آداب قيادة السيارات عند بعض السائقين.
فالطريق العام ملك للجميع، واحترامه ليس خيارًا شخصيًا. وإذا كنا نريد طرقًا أكثر أمانًا وأقل ازدحامًا وتوترًا، فعلينا أن نعيد الاعتبار لثقافة القيادة التي تقوم على احترام الآخر، لا على قاعدة: «من يضع بوز سيارته أولًا هو صاحب الحق».
أو كما يقول البعض ساخرين: «غمازة بوزك»، في إشارة إلى انتهاء دور الغماز والاعتماد على تقديم «البوز» للدخول على صف السيارات عنوة؛ فبدلًا من أن يستخدم السائق الغماز ليطلب الانتقال إلى المسرب الآخر، أصبح يستخدم مقدمة سيارته لفرض الأمر الواقع، وكأن مجرد إدخال «البوز» بين سيارتين يمنحه أولوية لا يمنحها له القانون.
وهنا يبقى السؤال: هل نريد أن تكون طرقنا محكومة بقانون السير واحترام حقوق الآخرين، أم بقانون «البوز» ومنطق من يفرض نفسه أولًا؟
والله من وراء القصد.