اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : التمويل الأخضر

د. خالد الحريرات البطوش : التمويل الأخضر
أخبارنا :  

لم يكن تقدم البشرية في الصناعة والتكنولوجيا بدون ثمن، فقد تركت الثورة الصناعية في مراحلها المختلفة من الآلة البخارية الى المخترعات الالكتروميكانيكية آثارا لم تختبرها الطبيعة قبل ذلك، في السابق كانت البراكين والزلازل والحرائق التي تحدثها الصواعق أقصى ما يمكن توقعه لالحاق ضرر بالبيئة، ولطالما نجحت الطبيعة في تجاوز تلك الكوارث، ونجا منها الانسان بأقل الاضرار، لكن خطورة بصمة الانسان ذاته في احداث الكوارث تكمن ليس في حجم الدمار - الذي قد يطاول الكوارث الطبيعة-، وانما في انتظام مسبباتها وتراكم آثارها الذي لم تألفه الطبيعة من قبل، والمفارقة الغريبة في سعي الانسان لترفيه حياته هي ارتباط التقدم الصناعي بتعريض البيئة التي يعيش فيها لخطر تدميرها مع كل دوران لترسي في ماكنة انتاج للسلع، وضرر تلويثها مع كل انبعاث كربوني من اي مصنع على سطح الارض.

اضرار تلوث البيئة والتغير المناخي لم تقف على الدول الصناعية، وانما تجاوزتها الى باقي دول العالم، وهنا تندلع مواجهة حقوقية بين من يجني الأرباح ومن يتحمل المخاطر ويعاني الاضرار، ولذلك حرصت الدول غير الصناعية على ان تتحمل الحكومات المتسببة بالتلوث كلف الاضرار التي تلحق بالبيئة وتعبث بالمناخ جراء الانبعاثات الكربونية تطبيقا لمبدأ الملوّث يدفع.

يعتبر صندوق المناخ الأخضر تجسيدا للالتزام الناشئ على عاتق الدول الصناعية لجبر ضرر التلويث، وتنبع أهميته من التوافق الواسع للحكومات التي أقدمت على تاسيسه من خلال إتفاقية الامم المتحدة الإطارية المعنية بتغير المناخ لعام 2010، ويقدم هذا الصندوق أكبر تمويل مناخي لتحقيق اغراض إتفاق باريس للمناخ لعام 2015، ولا يكتفي نظام هذا الصندوق بتأكيد الالتزام بمساعدة الدول النامية في التكيف المناخي والتخفيف من آثار تغير المناخ، وانما ينص على آلية تنفيذ هذا الالتزام من خلال دعم مشاريع وبرامج منخفضة الانبعاثات ومقاومة للتغير المناخي في القطاعين العام والخاص في تلك الدول.

يأتي التوجيه الملكي للحكومة بوضع إستراتيجية وطنية موحدة للتمويل المناخي محطة ضرورية لمراجعة التعامل الرسمي مع التمويل الأخضر، ويقدّم إهتمام جلالة الملك بهذا الجانب مناسبة هامة لتحديث أولويات الحكومة في هذا الملف، خصوصا انتظام المبادرات والمشاريع المتفرقة في إطار وطني يربط البيئة بالاقتصاد ويحشد مصادر تمويل كافية لمواجهة تحديات المياه والطاقة والنقل، ويعيد إدراجها للإنتفاع من مجرى التمويل الصديق للبيئة سواء في الداخل او على المستوى الدولي.

يكتسب طرح موضوع التمويل في هذا الوقت أهمية خاصة، حيث تتلقاه الحكومة قبيل مؤتمر الأطراف في إتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغيير المناخ المزمع عقده في تركيا في التاسع من تشرين الثاني المقبل، ويذهب الاردن الى هذا المؤتمر برصيد متقدم من الإلتزام بالصكوك الدولية بخصوص المناخ، وبمنظومة متناغمة من السياسات والممارسات الوطنية الصديقة للبيئة والموائمة للتوجهات العالمية في التعامل مع التغير المناخي، فالبنك المركزي يتبنى استراتيجية مالية تهدف الى تحضير القطاع المالي للتمويل الأخضر، والقطاع الخاص منخرط في حوار مع القطاع العام عبر منتدى التمويل الأخضر من أجل الانتقال من السياسات والأطر التنظيمية الى التطبيق والتمويل الفعلي.

يبقى القول ان هذا الملف ينتظر ان يتم اعداده بدقة وتفصيل للحصول على اكبر قدر من الدعم المالي الدولي، وتسويق الإستثمار في مشاريع المياه والنقل والطاقة البديلة.



مواضيع قد تهمك