د. هيفاء ابو غزالة : تنمية تبدأ بعد الخامسة مساءً
اعتدنا أن نقيس حركة المدن بما يحدث فيها خلال ساعات النهار. موظفون يتجهون إلى أعمالهم، مؤسسات تفتح أبوابها، معاملات تُنجز، مدارس وجامعات تعمل، وأسواق تستقبل زوارها. وعندما تقترب الساعة من الخامسة مساءً، يبدأ إيقاع المدينة بالتراجع وكأن يومها الاقتصادي قد انتهى.
لكن هل يجب أن تنتهي التنمية بانتهاء الدوام الرسمي؟
في كثير من مدن العالم تبدأ حياة اقتصادية أخرى عندما تغلق المكاتب أبوابها. المساء هناك ليس وقتاً فائضاً بين العمل والنوم، بل مساحة اقتصادية واجتماعية وثقافية كاملة. المسارح والمتاحف والمكتبات والأسواق والمطاعم والمقاهي والحدائق والفعاليات الرياضية والحفلات والمعارض والحرف والأسواق الموسمية كلها تتحول إلى حركة اقتصادية توفر فرص العمل وتزيد دخل المنشآت وتعيد الحياة إلى المدينة.
وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً ربما لم نطرحه بما يكفي في الأردن: كم ساعة اقتصادية نخسرها كل يوم؟
فالمدينة التي تعمل اقتصادياً ثماني أو عشر ساعات فقط لا تستخدم كامل طاقتها. الشارع الذي أُنشئ والحديقة التي أُنفقت الأموال على تجهيزها والمتحف والموقع الأثري والمرفق الثقافي والسوق ووسائل النقل، كلها أصول دفع المجتمع كلفتها. وإذا بقيت خارج الاستخدام الفاعل معظم ساعات اليوم، فإننا لا نخسر الوقت فقط، بل نخسر جزءاً من العائد الممكن لهذه الأصول.
ومن هنا يأتي مفهوم «الاقتصاد الليلي»، الذي لا ينبغي اختزاله بالمطاعم والمقاهي أو السهر والترفيه. إنه مفهوم تنموي أوسع يقوم على تمديد العمر الاقتصادي للمدينة، وتحويل ساعات المساء إلى فرص للإنتاج والعمل والثقافة والسياحة والتسوق والخدمات.
تخيلوا عمّان وقد أصبحت بعض مناطقها الثقافية والتاريخية وجهة مسائية منتظمة، لا ترتبط بمهرجان عابر أو مناسبة موسمية. تخيلوا وسط البلد وجبل عمّان واللويبدة ومناطق أخرى وهي تقدم برنامجاً أسبوعياً معلناً يجمع الثقافة والفنون والحرف والموسيقى والكتاب والطعام والتراث والتسوق، وتسانده منظومة نقل آمنة ومواقف مناسبة وإنارة جيدة ومساحات مهيأة للمشي.
وتخيلوا أن يمتد المفهوم إلى السلط ومادبا وإربد وجرش والعقبة وغيرها، بحيث لا نقلد نموذجاً واحداً في جميع المدن، وإنما نصنع لكل مدينة هويتها المسائية الخاصة انطلاقاً من تاريخها ومجتمعها وميزاتها الاقتصادية والثقافية والسياحية.
عندها لن يكون السؤال: أين يذهب الناس في المساء؟ بل: كم فرصة عمل يمكن أن نصنع في المساء؟
فالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل لا يشترط أن تكون وظيفته بين الثامنة والثالثة. والطالب الجامعي يستطيع العمل ساعات محدودة. والحرفي يحتاج إلى سوق يصل إليه الزوار. والفنان يحتاج إلى مساحة تعرض فيها أعماله. والمشروع المنزلي الصغير يحتاج إلى نافذة للبيع. والمطعم والمتجر والمقهى يستفيد من امتداد الحركة. والمرشد السياحي وسائق وسيلة النقل ومنظم الفعاليات والعامل في الخدمات والأمن والنظافة جميعهم يدخلون في دورة اقتصادية تتسع كلما امتدت حياة المدينة.
ويمكن للاقتصاد المسائي أن يفتح مجالاً مهماً أمام النساء والشباب والمشروعات الصغيرة إذا صُممت بيئته بطريقة تراعي الأمان والنقل وساعات العمل المرنة والاحتياجات الاجتماعية المختلفة.
لكن المدينة لا تصبح حية ليلاً بقرار تمديد ساعات فتح المحال.
الاقتصاد الليلي يحتاج إلى سياسة مدينة متكاملة: نقل عام موثوق، إنارة، أمان، نظافة، أرصفة صالحة للمشي، تنظيم للفعاليات، تسهيلات للمشروعات الصغيرة، تراخيص مرنة ومدروسة، وبرنامج ثقافي وسياحي معروف مسبقاً. ويحتاج أيضاً إلى تنسيق حقيقي بين البلديات ووزارات السياحة والثقافة والنقل والداخلية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.
وهنا تحديداً تكمن الفرصة.
فبدلاً من البدء بمشروعات ضخمة وكلف مالية مرتفعة، يمكن اختيار مناطق محددة في عدد من المدن الأردنية وإطلاق مناطق تجريبية للاقتصاد المسائي لمدة عام، ثم قياس نتائجها بوضوح: عدد الزوار، فرص العمل المستحدثة، مبيعات المنشآت الصغيرة، مدة إقامة السائح، استخدام وسائل النقل، مشاركة الشباب والنساء، ومدى رضا السكان وأصحاب الأعمال.
فالهدف ليس أن تبقى المدن مستيقظة حتى ساعات متأخرة لمجرد البقاء مستيقظة، وإنما أن تصبح الساعات التي تمر بلا نشاط اقتصادي أو ثقافي مورداً تنموياً قابلاً للاستثمار.
لدينا في الأردن ميزة إضافية تستحق الانتباه. ففي أشهر كثيرة من العام، وخصوصاً خلال الصيف، تكون ساعات المساء أكثر ملاءمة للحركة والمشي والزيارة من ساعات النهار. وهذا يعني أن الاقتصاد المسائي ليس فكرة مستوردة نبحث لها عن مكان، وإنما فرصة تنسجم مع المناخ ونمط الحياة والبنية الاجتماعية، إذا أحسنّا تنظيمها.
والسائح الذي يعود إلى فندقه مبكراً فرصة اقتصادية تنتهي مبكراً أيضاً. أما حين يجد أمامه مدينة آمنة وحيوية وبرنامجاً ثقافياً وسوقاً للحرف ومطعماً وتجربة محلية وموقعاً يمكن زيارته مساءً، فإنه يبقى وقتاً أطول وينفق أكثر ويتعرف إلى المدينة بصورة أعمق.
لقد انشغلنا طويلاً بالسؤال عن كيفية جذب مزيد من الاستثمارات، وهو سؤال ضروري. لكن ربما علينا أن نسأل أيضاً كيف نستفيد بصورة أفضل مما استثمرناه بالفعل: من شوارعنا وساحاتنا ومواقعنا الثقافية والتراثية وأسواقنا وطاقات شبابنا ووقت مدننا.
التنمية ليست دائماً مصنعاً جديداً أو طريقاً جديداً أو مبنى جديداً. أحياناً تبدأ التنمية عندما ننظر إلى ما لدينا بطريقة مختلفة.
وربما يكون أمامنا مورد وطني لا يحتاج إلى اكتشاف ولا إلى استيراد ولا إلى اقتراض.
إنه ببساطة النصف الآخر من يوم المدينة.
فإذا كنا نبحث عن فرص جديدة للعمل والاستثمار والسياحة والثقافة وتحسين نوعية الحياة، فقد يكون من المفيد أن ننظر إلى الساعة عندما تشير إلى الخامسة مساءً، لا باعتبارها نهاية يوم العمل، وإنما باعتبارها بداية اقتصاد آخر .