محمد حسن التل : عظم البلاغ وعبقرية التبليغ ..
في ذكرى مولد الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام سيد الخلق سيدنا محمد تتواثب الأفكار والمعاني إلى الحد الذي يجعل تدفقها على الفكر والقلم أن يحتار الفرد لأي معنى يشير ، إلى عظمة الخلق أم إلى صلابة الموقف أم إلى عبقرية التبليغ وصنع الرجال ، أم عبقرية القيادة والدعوة ، لقد سطر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم الملاحم الرسالية والتاريخية والبشرية وغير مجرى التاريخ ووجه الزمان .
وحده نزل من الجبل وهو يحمل ثقل الرسالة ورهبتها ، نزل إلى قوم قلوبهم أقسى من الصخر وعقولهم أخف من رمال مكة في يوم عاصف ، تحركهم جاهليتهم ويتحكم بهم اعتزازهم بكفرهم وشركهم ، ويخضعون لعادات وتقاليد ضد طبيعة الخلق والحياة ، يواجههم وحده مع ثلة من رجال لا ظهر لهم ولا مجير إلا ايمانهم بالرسالة وثقتهم بربهم ، وهنا تبرز عظمة المصطفى عليه الصلاة والسلام كيف بدأ بالتوازي مع الدعوة بتربية جيل جديد من الرجال والنساء الذين حملوا مشاعل النور للبشرية ، وخرجوا إلى العالم يحملون راية الإسلام والتوحيد في العبودية لله وحده والمساوة بين الناس بالعدل والتوازن ببن الحق والواجب..
لقد أراد الله تعالي ببعث الرسول الأعظم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن يخلق واقعا إيمانيا جديدا للبشر تسود فيه العدالة وتكون العبودية فيه له وحده عز وجل ، ففضله جل جلاله على البشرية في الإسلام أعظم فضل وأوسع رحمة ، وجعل نبيه وسيلته في كل هذه الإرادة وذاك التحول ، لقد كانت البعثة قمة الرحمة من الله عز وجل حيث البلاغ العظيم المبين والحجة الدامغة على خلقه " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ".
كان كل أمر في الأرض يهيىء لانفجار حدث عظيم ، والذي كان قد أبلغ الله عنه من خلال رسل عظام سبقوا رسالة محمد عليه الصلاة والسلام ، وكانت الأرض غارقة في الفجور والعبثية ، وكان المولد العظيم اشارة لقرب الصدام بين التوحيد والشرك وبين العبودية لله الواحد وعبودية الوثن ، وكان الإشارة الكبرى لخلاص الأرض من الظلمة والظلام .
في الذكرى العظيمة لنا أن نتصور كيف درس أعداء الإسلام معانيه ومراميه ، وعرفوا عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وعظمة رسالته وعظم الكتاب الذي أنزل اليه ، لذلك ظلوا على اختلاف الأزمان يعملون على تفكيك هذه المعاني في صدور أبناء هذه الأمة لأنهم يدركون جيدا أن لا أمة ذي شوكة بدون الإسلام ، وأن إسلام محمد صلى الله عليه وسلم إذا عادت الأمة إليه ستكون ماردا يسحق كل باطل في الأرض ويرفع رايات العدل والمساواة بين البشرية مرتكزة على عظم التوحيد..
في رحاب ذكرى هذا الحدث العظيم تعرج الخواطر إلى قدس المهبط والوحي وطريق من مر منها إلى السماء القدس المذبحوة بخنجر يهودي مسموم وتخاذل أمة عرفت الطريق فانحرفت عنه فتاهت وغرقت بسواد هذا الواقع .. القدس التي وضعها الإسلام في أعلى مراتب القدسية وربط حرمتها بحرمة الرسالة والرسول وكل الرسل تستهض اليوم أمتها لكسر قيدها وفك أسرها لتعود تاج الأمة..
لكن للأسى الطريق لازال وعرا وتائها وبعيدا عن البوابة التي فتحها الله جل وعلا للولوج منها إلى النصر..