د. حازم قشوع : الملك.. ينقل الرحمة إلى المعرفة
د. حازم قشوع
لم تبدأ العلوم الحديثة من المختبرات الكبرى ولا من الحواسيب والذكاء الاصطناعي، وإنما بدأت من إنسان أراد أن يفهم ما حوله؛ يراقب المادة، ويجرب عليها، ويقيس تحولاتها، ثم يحاول أن يستخلص منها قاعدة يمكن البناء عليها ومن هنا جاءت قيمة جابر بن حيان، الذي لم يكن مجرد باحث في الكيمياء، وإنما يمثل مرحلة مبكرة من انتقال الإنسان من التأمل إلى التجربة ومن الملاحظة إلى القياس، ومن المعرفة إلى القدرة على إحداث التحول المستهدف .
وفي «كتاب الرحمة» تظهر هذه الروح في البحث عن أسرار المادة وخواصها وطرق تحولها وأن نعيد قراءة الإكسير بوصفه محاولة لتحويل المعادن إلى ذهب، وإنما أن نلتقط المعنى الأعمق الكامن وراءه فهم التحول وكيفية تركيب اركانه فالمادة عند جابر لم تكن شيئاً جامداً، وإنما منظومة مادية يمكن دراسة خصائصها وتجريبها ومعرفة كيفية انتقالها من حالة إلى أخرى ومن مركب الى أخر وهنا تبدأ الصلة بعالمنا.
فالمادة التي كانت تمثل الثروة في زمن جابر أصبحت اليوم جزءاً من منظومة أوسع؛ إذ ظهرت مادة جديدة لا تُرى بالعين، لكنها أصبحت أساساً للقوة الا وهي المعلومة والبيانات فكما كان الميزان وسيلة لفهم المادة، أصبحت الخوارزميات والنماذج الرياضية وسائل لقياس البيانات واكتشاف العلاقات الكامنة فيها ..وهنا يبرز الفرق بين المعلومة والمعرفة. فالمعلومة أن نعرف ماذا حدث، أما المعرفة فهي أن نفهم لماذا حدث، وما الذي يرتبط به، وكيف يمكن الاستفادة منه لبيان حالة . أما الهندسة المعرفية فهي تعنى إعادة ترتيب هذه المعرفة لإنتاج قدرة جديدة وهذا هو جوهر التحول الذي نشهده اليوم مع الذكاء الاصطناعي فالبيانات وحدها لا تصنع المستقبل، وإنما القدرة على تحليلها وربطها وتحويلها إلى قرار وابتكار وإنتاج وهو من يصنع ذلك وهكذا انتقل الإنسان من محاولة تحويل المادة لصياغة جديدة إلى محاولة تحويل المعرفة نفسها إلى قيمة مفيدة
ومن هذه الزاوية تكتسب زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين عبر دلالة تاتى بهذا السياق فالملك يزور دولة أصبحت المعرفة فيها جزءاً من منظومة الإنتاج وهذا ما جعل من مسار الزيارة مسار طويل شمل شنغهاي ولقاءات مع قيادات الشركات في التكنولوجيا والصناعة والروبوتات، ثم شنجن، قبل أن تختتم في بكين بلقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، بما يفتح المجال أمام شراكات أوسع في الاستثمار والتكنولوجيا وتبادل الخبرات.
فالصين الحديثة تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية الانتقال من امتلاك الموارد إلى هندسة الموارد، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن المعرفة الموجودة في الجامعات والمختبرات إلى المعرفة التي تتحول إلى مصانع ومنتجات وأسواق.ولعل الروبوت يمثل المثال الأكثر وضوحاً؛ فهو ليس آلة فقط، بل حصيلة الرياضيات والهندسة والبرمجة والذكاء الاصطناعي والمواد والصناعة. أي أنه في النهاية معرفة متراكمة تحولت إلى منتج.
وهنا يلتقي جابر بن حيان مع الصين الحديثة، لا في الأدوات ولا في النتائج، وإنما في فلسفة التحول الذى ببنه جابر بحث في كيفية تحول المادة الى مادة اخرى والصين تعمل اليوم على تحويل المعرفة إلى صناعة، والملك يفتح للأردن نافذة على هذا العالم الجديد لكن الانفتاح على المعرفة لا يعني الارتهان لمصدر واحد لها وهنا تأتي أهمية التعددية المعرفية فالأردن، وهو يفتح فضاءه للشراكات الدولية، يحتاج إلى أن يفتح في الوقت نفسه فضاءه أمام تعدد المدارس والتجارب والتقنيات والاستثمارات. فالمعرفة مثل السوق؛ كلما تعددت مصادرها و اتسعت الخيارات، واشتدت المنافسة، وتحسنت القدرة على الاختيار.
وهذا ما يمكن قراءة من تجربة مشروع العطارات باعتباره درساً ينبغي الاستفادة منه، لا باعتبارها قصة نجاح أو غير ذلك ضمن تقيمات نسبيه فالمشروع يمثل تجربة كبيرة في استثمار الصخر الزيتي، ودخلت الحكومة الأردنية وشركة العطارات في نزاع تحكيمي حول اتفاقية شراء الطاقة، في وقت كان فيه للمستثمرين الصينيين حضور رئيسي في المشروع. وقد انتهت القضية التحكيمية إلى قرار في عام 2024، بعد أن كانت الحكومة قد لجأت إلى التحكيم مطالبة بمعالجة ما اعتبرته غبناً فاحشاً في الاتفاقية..وهنا يكمن بيت القصيد .
المشكلة ليست في أن ندخل شراكة مع الصين، وإنما في أن تكون الشراكة نفسها محكومة بتعدد الخيارات والمعرفة والخبرة والتقييم.فمشروع بهذا الحجم كان يمكن أن يكون، إلى جانب إنتاج الطاقة، مختبراً وطنياً للمعرفة؛ يربط الجيولوجيا والهندسة والطاقة والبيئة والاقتصاد والبحث العلمي والصناعة المحلية، ويحول المورد الطبيعي إلى سلسلة قيمة معرفية وإنتاجية متكاملة. فالأردن لا يحتاج إلى شريك واحد في المعرفة، وإنما إلى شبكة شركاء؛ الصين، وأوروبا، وأميركا، واليابان، وكوريا، والدول العربية، وغيرها، إلى جانب المعرفة الأردنية ذاتها الزاخره باالكفاءات التى يمكن توضيفها بالشراكه مع القطاع الخالص عبر جمله من الحوافز النشجيعية .
وهنا تصبح التعددية قوة وليست ترفاً اقتصاديا فكلما تعددت مصادر التكنولوجيا، أمكن للأردن أن يقارن ويختار ويفاوض ويطور، وكلما تعددت مراكز البحث والشركات، أمكن خلق بيئة تنافسية تمنع الاحتكار المعرفي وتفتح الطريق أمام الابتكار وريادة الأعمال ومن هنا يمكن فتح مساحة أوسع أمام شبكات الذكاء الاصطناعي والفضاء المعرفي الأردني، بحيث تلتقي الجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة والقطاع الخاص والمستثمرون في بيئة واحدة، يكون التنافس فيها على إنتاج الحلول لا على استيرادها فالأردن يمتلك رأس مال بشرياً لا يقل أهمية عن موارده الطبيعية، وربما تكون ميزته الأهم في المرحلة المقبلة هي القدرة على هندسة هذا الرأس المال البشري وربطه بالمعرفة العالمية.
ومن هنا أيضاً يمكن إعادة النظر في الموارد المالية الوطنية ليس باعتبارها أموالاً للإنفاق فقط، وإنما باعتبارها رأس مال قادراً على إنشاء رأس مال جديد. فمشروعات الاستثمار في الأرض والتطوير الحضري والسياحي، ومنها مشروعات مثل «عمرة»، يمكن أن تصبح نموذجاً لتحويل قيمة الأرض والموقع إلى موارد رأسمالية يعاد توظيفها في مشاريع إنتاجية ومعرفية.
وبذلك ننتقل من معالجة البطالة إلى هندسة سوق العمل؛ ومن انتظار الوظيفة إلى صناعة المشروع؛ ومن تدريب الباحث عن العمل إلى إعداد الإنسان القادر على خلق العمل لنفسه ولغيره.
وهنا تصبح النخب المعرفية شريكاً أساسياً في عملية التحول، إذا أُعيد ربط الجامعة بالصناعة، والبحث بالاستثمار، والابتكار بالتمويل، والتكنولوجيا بسوق العمل.
وهذا هو جوهر الهندسة المعرفية 2045 ألا تبقى المعرفة في الكتب، ولا التكنولوجيا في الأجهزة المستوردة، ولا الأموال في قنوات الإنفاق، وإنما تتحول جميعها إلى منظومة إنتاجية وطنية إن العالم ينتقل من عصر كانت فيه الأرض والمادة والطاقة من أهم عناصر القوة، إلى عصر أصبحت فيه المعرفة والبيانات والقدرة على الابتكار من أهم مصادر القوة. ومن لا يمتلك أدوات المعرفة سيجد نفسه مستهلكاً لمنتجات الآخرين، مهما امتلك من موارد.
ولذلك فإن العودة إلى جابر بن حيان ليست عودة إلى الماضي، وإنما عودة إلى الجذر؛ إلى اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يتعلم أن المعرفة ليست وصفاً للأشياء، وإنما وسيلة لفهمها وتغييرها.
ومن الرحمة إلى المعرفة تمتد رحلة طويلة: من ميزان المادة إلى ميزان البيانات، ومن التجربة إلى الخوارزمية، ومن الإكسير إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الصنعة إلى الصناعة وفي هذا السياق يصبح الملك عبدالله الثاني، من خلال توجهه نحو الصين، جزءاً من رحلة أردنية نحو المستقبل رحلة لا تبحث عن موقع في عالم المعرفة فقط، وإنما عن دور أردني في صناعة هذا العالم.
فالملك لا يحمل معه إلى الصين سؤال الاستثمار وحده، بل سؤالاً أعمق: كيف نحول الإنسان الأردني من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، ومن متلقٍ للتكنولوجيا إلى شريك في صناعتها؟
وهنا تكمن الخلاصة إن الأردن لا يحتاج إلى إكسير يحول المادة إلى ذهب، وإنما إلى إكسير معرفي يحول الإنسان والموارد والشراكات إلى قدرة إنتاجية.
والتجربة تعلمنا أن أفضل الشراكات ليست تلك التي تغلق الباب على خيار واحد، وإنما تلك التي تفتح أبواباً متعددة للمعرفة والاستثمار والتكنولوجيا لأن التعددية المعرفية تصنع المنافسة، والمنافسة تصنع الاختيار والاختيار يصنع القدرة على التفاوض، والقدرة على التفاوض تصنع الشراكة المتوازنة وهكذا تصبح زيارة الملك إلى الصين فرصة لفتح فضاء أردني جديد؛ فضاء لا يستورد المعرفة فقط، بل يستضيفها ويعيد إنتاجها ويوطنها، ولا يستقبل الاستثمار فقط، بل يحوله إلى رأس مال إنتاجي، ولا يبحث عن الوظيفة فقط، بل يصنع فرص العمل.
إنها رحلة من الرحمة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الهندسة، ومن الهندسة إلى التعددية، ومن التعددية إلى الإنتاج، ومن الإنتاج إلى المستقبل؛ حيث يكون الإنسان هو المادة الأولى، والمعرفة هي الأداة، والإبداع هو الإكسير، والشراكة هي الجسر الموزون والمستقبل هو الغاية المتشودة .