المعتز بالله الرداد : شراكات الأردن مع القطاع الخاص: من يحمي حق المواطن؟
حين يستخدم المواطن طريقًا معبّدًا، أو يفتح صنبور المياه، أو يعبر منفذًا حدوديًا أُنجز عبر شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، فلن يعنيه كثيرًا نموذج التمويل بقدر ما يعنيه ما يلمسه من جودة الخدمة، وعدالة كلفتها، واستمرارها من دون انقطاع، ومن هنا يبرز السؤال الأهم: يستطيع القطاع الخاص أن يمول المشروع ويبنيه ويديره، لكن من يضمن أن تبقى المصلحة العامة في مقدمة القرار؟ ولا شك ان هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في الأردن مع التوسع المتوقع في مشروعات الشراكة، فقد أُعلن أن حجم الاستثمارات المتوقعة عبر الشراكة مع القطاع الخاص ضمن البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029 قد يقارب عشرة مليارات دينار، تتركز في قطاعات حيوية مثل المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية، وهو ما يعني أن الشراكة لم تعد خيارًا محدودًا لتمويل بعض المشروعات، وإنما أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية لتنفيذ جانب مهم من مسار التحديث الاقتصادي.
لا خلاف على أن الأردن يحتاج إلى هذه الشراكات، فاحتياجات البنية التحتية كبيرة، والموارد العامة محدودة، بينما يمتلك القطاع الخاص التمويل والخبرة والتكنولوجيا والقدرة على تنفيذ مشروعات قد يصعب تمويلها بالكامل من الموازنة، لكن الشراكة ليست تمويلًا مجانيًا، ولا تعني اختفاء الكلفة عن الدولة والمواطن، وإنما قد تعيد توزيعها على سنوات طويلة من خلال دفعات حكومية، أو ضمانات، أو التزامات مستقبلية، أو تعرفة يتحملها المستخدم، أو تكاليف إضافية تظهر عند تعديل العقود أو تغير الظروف، لذلك، فالسؤال الصحيح لا ينبغي أن يكون فقط: كم استثمر القطاع الخاص؟ بل: كم ستكلف الشراكة الدولة والمواطن على امتداد عمر العقد؟ وما حجم المخاطر التي ستتحملها الحكومة؟ وما القيمة التي سيحصل عليها في المقابل؟ فالعقد الذي يجذب استثمارًا كبيرًا لا يكون ناجحًا بالضرورة إذا تحملت الدولة معظم المخاطر، أو إذا انتهى المشروع إلى خدمة ضعيفة أو مرتفعة الكلفة.
ويمثل مشروع تطوير معبر جابر الحدودي مثالًا مهمًا على المرحلة الجديدة، فقد طُرحت في حزيران 2026 دعوة التأهيل الأولي لتطوير المعبر وفق نموذج يجمع بين التصميم والإنشاء والتمويل والتشغيل والصيانة، والمشروع لا يتعلق ببناء منشآت فقط، بل يرتبط بحركة التجارة والنقل والمسافرين وسلاسل التوريد، ولذلك فإن نجاحه يجب أن يقاس أيضًا بقدرته على تقليل زمن الانتظار، ورفع كفاءة الحركة، وتحسين مستوى الخدمة، وضمان استمرارية التشغيل.
والأردن لا يبدأ من فراغ تشريعي، فقد وفر قانون مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 19 لسنة 2023 إطارًا قانونيًا مهمًا لتنظيم هذه المشروعات، وربط عملية اتخاذ القرار باعتبارات القيمة مقابل المال، والقدرة على تحمل الكلفة، وتوزيع المخاطر والالتزامات المالية، إلى جانب الأنظمة والإجراءات المنظمة لإعداد المشروعات وطرحها وتمويل دراساتها، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود القانون، وإنما في تكامل تطبيقه والقدرة المؤسسية على إدارة العقود طويلة الأجل، فالمسؤولية عن مشروعات الشراكة موزعة بين جهات حكومية متعددة، لكل منها دور في التخطيط والاستثمار والمالية والتنفيذ والإشراف، وهذا أمر منطقي، لكنه قد يصبح مصدرًا للضعف إذا لم تكن هناك جهة أو منظومة قادرة على رؤية الصورة الكاملة للمخاطر، فالمخاطر الفنية قد تكون معروفة لدى جهة، والمالية لدى أخرى، والقانونية لدى ثالثة، بينما تحتاج الدولة إلى إجابة واحدة عن السؤال الأهم: ماذا سيحدث إذا تحقق أسوأ سيناريو؟
وتزداد حساسية هذه المسألة عند إعادة التفاوض على العقود، فالمشروعات التي تمتد لعشرين أو ثلاثين عامًا ستواجه حتمًا تغيرات في الأسعار والتكنولوجيا والطلب والظروف الاقتصادية، وإعادة التفاوض ليست مشكلة بحد ذاتها، لكن الخطر يظهر عندما تدخل الدولة هذه المفاوضات وهي الطرف الأضعف بسبب نقص الخبرة أو البيانات أو الذاكرة المؤسسية، ولذلك تحتاج الحكومة إلى فرق متخصصة ودائمة لإدارة العقود، وليس فقط إلى خبراء يظهر دورهم عند مرحلة التوقيع، كما أن الشفافية يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من منظومة الشراكة، ومن حق المواطن أن يعرف، ضمن الحدود التي تحمي المعلومات التجارية المشروعة، لماذا اختيرت الشراكة، وما كلفة المشروع، وما الالتزامات المحتملة على الدولة، وما المخاطر الرئيسية، وما هي معايير جودة الخدمة، وكيف ستتم محاسبة المستثمر إذا لم يحقق مستوى الأداء المتفق عليه، ومن المهم كذلك أن يتحول السجل الوطني لمشروعات الشراكة من قاعدة بيانات إلى أداة للإنذار المبكر وإدارة المخاطر، بحيث تستطيع الحكومة رصد المشروعات المتأخرة، وتجاوزات الكلفة، وتراكم الالتزامات، والمخاطر التعاقدية قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب علاجها.
في النهاية، لن يقاس نجاح الشراكات بعدد العقود الموقعة أو بحجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بجودة الخدمة التي يحصل عليها المواطن، وعدالة كلفتها، واستدامتها، وبمدى انضباط الالتزامات التي تتحملها الدولة، فالاستثمار الخاص ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية، ومن المؤكد ان الأردن لا يحتاج إلى الخوف من الشراكة مع القطاع الخاص، بل يحتاج إلى شراكة أكثر نضجًا وشفافية وحوكمة،فالمستثمر يبحث عن عائد عادل، والدولة مسؤولة عن حماية المصلحة العامة، والمواطن هو المستفيد النهائي.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يرافق كل مشروع شراكة منذ لحظة التفكير فيه وحتى انتهاء عقده ليس فقط: كم سيموّل القطاع الخاص؟ بل السؤال الأهم: من يحمي المصلحة العامة طوال عمر الشراكة؟ فالقطاع الخاص يستطيع أن يمول المشروع ويبنيه ويديره، أما حماية المصلحة العامة فهي مسؤولية الدولة، ولا يجوز أن تُحال بدورها إلى الباطن.