م. عبد الغني طبلت الايوبيين : البيئة المبنية واستدامة التراث العمراني والحضري
تعتبر "البيئة المبنية" ( (Built Environment بأنها الوسط المادي الذي بناه / يبنيه المجتمع من مساحات ومواقع وعناصر حسية ملموسة (بما فيها من أبنية وطرق وجسور وسدود ومطارات ومرافق عامة وشبكات بنية تحتية وفوقية ومسطحات خضراء وفضاءات مفتوحة)، جرى / يجري تشكيله وتهيأته من أجل خلق محيط ملائم، يتحلى بالقدرة على تلبية وظائف واستخدامات واحتياجات مختلف فئات المجتمع، بمستوى وأسلوب معيشي لائق يعكس مدى انسجامهم وتفاعلهم وتكيفهم مع الموارد البيئية المتاحة، ويعبر كذلك عن درجة التزامهم واحترامهم لها.
وتأتي أهمية الحفاظ على البيئة المبنية التي نعيش في كنفها ووجود التزام جماعي جاد يدعم أركانها ويعزز من مقوماتها، كاستجابة حتمية لما تقتضيه المصلحة العامة، نظرا لارتباط البيئة المبنية وتداخلها المباشر في تحقيق متطلبات الاستدامة البيئية المرتبطة بالتراث العمراني والحضري (Sustainability of Architectural and Urban Heritage) للمجتمع الأردني، وكذلك في قدرتها على خلق معادلة تفاعلية ذات صبغة بيئية تقوم على احترام هذا التراث وتأكيد اصالته وعراقته، وتستند الى مايمكن من تحقيق التوازن الإيجابي بين مكوناته، ورفع درجة المسؤولية في التعامل معه وحمايته (دون إضرار او استنزاف لحقوق الأجيال القادمة)
ان وجود هذا النوع من التفاعل الإيجابي (المستمر) سيسهم حتما في تحقيق مقتضيات البصمة الخضراء للبنية التحتية والفوقية عبر استخدام مصادر الطاقة النظيفة / المتجددة كالشمس والرياح بدلا عن المصادر التقليدية كالبترول والمواد العضوية، وسيعمل على معالجة العديد من الصعوبات القائمة بما في ذلك ضرورة الترشيد في استهلاك المياه والتقليل من حجم النفايات بأنواعها، كما انه سيفتح المجال امام استخدام المواد القابلة لإعادة التدوير، وسيمهد الطريق امام الجهود الرامية الى حماية الموارد الطبيعية من التلوث والتداخلات العارضة وغير المحسوبة بما في ذلك الظروف الطبيعية والقاهرة واثار النزاعات والحروب.
ولذلك، فإن العلاقة التي تجمع مابين البيئة المبنية والابعاد المرتبطة بالاستدامة البيئية لهي علاقة مباشرة وأصيلة ومتينة، لاسيما وأنها تتجلى في تلاقيهما وتتبلور عند تداخلهما في عمق التراث العمراني والحضري الذي يعتبر احد اهم مصادر الدعم والاسناد التي ترفد مخزوننا الحضاري (بشقيه المادي واللامادي) المتراكم عبر الزمن، بمحتواه الإنساني وانعكاساته التاريخية ومعالمه الثقافية وتأثيراته الشعبية ومدلولاته الوطنية، الأمر الذي يؤكد على أهمية المواصلة في احترام كل ما اّل الينا من الإباء والاجداد من موروثات واثار ومعالم، وبذل كل مايمكن من جهود في سبيل إحيائها والاعتداد بها بمنظور تقني منظم ومدروس، الامر الذي سيعزز من درجة الشعور بالزهو والفخار والمباهاة بحب الوطن والانتماء لترابه الطهور، والولاء لقيادته الهاشمية المظفرة.
وللحديث بقية..