د. محمد المعاقبة : وداعاً للامركزية: قانون الإدارة المحلية يعيدنا للمربع الأول
يأتي مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد ليعلن وبشكل صريح تراجع الدولة عن مسار اللامركزية، وليفرض واقعاً إدارياً مركزياً جديداً يُفرغ مجالس المحافظات من أي مضمون حقي.
إن جوهر الإدارة المحلية ومبدأ اللامركزية يقومان على حق أصيل: أن تنتخب المجتمعات المحلية من يدير شؤونها بنفسه. أما الترويج لفكرة "الانتخاب غير المباشر" وتعيين الأعضاء، فهو التفاف مكشوف على هذا الحق. إنه شكل إداري فارغ لا يعبر عن إرادة الناس، ولا يمثل خياراتهم، ويبتعد كل البعد عن روح الإدارة المحلية التي تقوم على القرب من المواطن.
إن أزمة اللامركزية في المملكة لا يمكن فهمها أو حلها بمعزل عن جوهرها، وهو "الانتخاب العام المباشر". فعندما يشعر الناخب أن صوته يذهب مباشرة لاختيار من يمثله ويقرر في مصالحه، هنا فقط تُستعاد الثقة بين المواطن والحكومة. أما عندما يُستبدل صوته بترشيحات وتعيينات، فإننا نرسخ الشعور بالاغتراب السياسي، ونوسع الهوة بين الدولة والمجتمع.
إن ما نراه في هذا المشروع ليس تحديثاً إدارياً، بل ارتداداً عنه. لقد حوّل النهج المقترح وزير الإدارة المحلية إلى سلطة وصاية ورئاسة، لا سلطة داعمة للامركزية، حتى باتت إجازة رئيس البلدية مرهونة بموافقته. وهذا استدعاء كامل لمنطق المركزية المتشددة الذي جعل من المحافظات مجرد متلقٍ سلبي لما يصدر عن المركز.
إن اعتماد "الانتخاب غير المباشر" يمثل انحرافاً خطيراً عن جوهر الفكرة. فاللامركزية ليست مجرد نقل صلاحيات إدارية بين الوزارات، وإنما هي نقل للسلطة السياسية والقرار من الحكومة المركزية إلى الناس في محافظاتهم. هي تمكين المواطن من إدارة شؤونه الخدمية والتنموية، لأنه الأقدر والأدرى باحتياجاته وأولوياته.
إن احترام إرادة الناخب ليس ترفاً سياسياً، بل هو المدخل الحقي لاستعادة ثقة الناس بالحكومة، ولإنجاح أي مشروع إصلاحي. وبدون ذلك، ستبقى مجالسنا مجرد هياكل بلا روح، وقوانيننا مجرد حبر على ورق.
* أستاذ القانون الإداري المشارك - كلية الحقوق - الجامعة الأردنية