اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. فيصل الحياري : جامعة سبقت زمنها .. قصة قرار لم يكتمل

د. فيصل الحياري : جامعة سبقت زمنها .. قصة قرار لم يكتمل
أخبارنا :  

هناك أفكار لا ندرك قيمتها كاملة عندما تولد، لأن الزمن لم يكن قد كشف بعد عن حاجتنا إليها. وهناك قرارات تبدو في لحظة اتخاذها جريئة أو حتى غير مفهومة، ثم تأتي السنوات اللاحقة لتثبت أنها كانت قراءة مبكرة لما سيحدث. وأنا أتابع اليوم زيارة جلالة الملك إلى الصين، واهتمامه بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، استوقفني ما يجري في التعليم العالي الصيني من إعادة هيكلة للتخصصات وإدخال الذكاء الاصطناعي في صميم التعليم وربط الجامعات بحاجات الاقتصاد، فعدت بذاكرتي قرابة عقد إلى تجربة جامعة البلقاء التطبيقية، والسنوات التي كنت فيها عضوًا في مجلس أمنائها، شاهدًا على القرارات ومشاركًا في النقاشات التي سبقتها. وقبل أيام، في حديث جمعني مع نخبة من أبناء مدينة السلط نتحدث فيه عن جامعة البلقاء التطبيقة وتطورها منذ يوم تأسيسها، وجدتني أتحدث تحديدًا عن تلك الفترة التي شهدتها بنفسي عن قرب، لأنها كانت في تقديري من أكثر مراحل الجامعة كثافة في القرارات وجرأة في التوجهات، وقد اجمعوا على ذلك. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت جامعة البلقاء، قبل نحو عقد، ترى جزءًا من المستقبل الذي بدأت جامعات العالم تتحرك نحوه اليوم؟ أعتقد أن الإجابة تستحق أن تُقال، لا كشهادة على تجربة جامعية فحسب، بل كدرس في معنى حوكمة المجالس والقيادة الأكاديمية التحويلية حين تلتقط الإشارة قبل أن تتحول إلى اتجاه عالمي.


شهدت المرحلة التي سبقت وجودي في المجلس إعداد الخطة الاستراتيجية للجامعة، والتي كانت مرجعيتها الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، وبدأ تنفيذها فعليًا من عام 2017. ومن خلال ما عايشته لاحقًا، كان واضحًا أن رئاسة الجامعة لم تتعامل مع الخطة كوثيقة تُحفظ في الأدراج، بل كمحاولة لإعادة تعريف وظيفتها: ماذا نُعلّم؟ ولمن؟ ولماذا؟ وما شكل الجامعة بعد عشر سنوات؟ ولم يكن هذا شعارًا يُطرح ويُنسى، بل كان المجلس يناقش مع رئاسة الجامعة كل تفصيل من مسار كل مشروع وعقباته وجدوله الزمني، ويخصص جلسات لمراجعة تقارير الرقابة والحوكمة الداخلية بمعزل عن حضور رئيس الجامعة نفسه، حرصًا على استقلالية التقييم. ولعل أوضح ثمرة لهذا النهج أن تقدير الجامعة في تقارير الجهات الرقابية قفز من 48 عام 2016 إلى 98 في عامي 2019 و2020، وهو تحول عكس منظومة حوكمة صارمة بُنيت خطوة بخطوة، وسعادة حقيقية عشناها في المجلس، لأنها أثبتت أن الإصلاح الإداري هو الأرضية التي يقوم عليها كل تحول آخر.


وكانت الإجابة الأولى على سؤال "ماذا نُعلّم" شديدة الجرأة: لا يمكن أن نستمر في تخريج طلبة في تخصصات لا يحتاجها السوق ثم نشتكي من البطالة. فاتخذت الجامعة منذ 2017 قرارًا بإيقاف وتجميد القبول في نحو مئة تخصص لم يعد سوق العمل يحتاجها، على مستوى الدبلوم والبكالوريوس معًا، بالتوازي مع مراجعة الخطط الدراسية على أساس المهارات. لم يكن القرار سهلًا، فإغلاق تخصص يصطدم بمصالح أكاديمية وثقافة اجتماعية وأعضاء هيئة تدريس وطلبة، لكن الجامعة فعلتها. واللافت أن هذا القرار يشبه، من زاوية الفلسفة، ما بدأت الصين تؤسسه وطنيًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، توّج في 2024 بوضع وزارة التعليم الصينية آليات لتحديث قوائم البرامج وإلغاء غير الفاعل منها، وفي 2025 دفعت نحو إعادة هيكلة أوسع وإدخال تخصصات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. وليس المقصود بالطبع أن جامعة البلقاء انذاك سبقت الصين في إصلاح التعليم، فهذا ادعاء لا يستقيم، لكن المقارنة في فلسفة التحول جديرة بالتأمل: جامعة أردنية اتخذت قبل نحو عقد قرارًا صعبًا يقول إن الجامعة لا تستطيع أن تبقى أسيرة تخصصات فقدت حاجتها، بينما أصبحت الصين اليوم تنفذ على نطاق دولة ما يشبه هذا المبدأ: التخصص الجامعي يجب أن يتغير عندما يتغير العالم.


ولم يكن الأمر إغلاقًا للماضي فقط، بل فتحًا للمستقبل، إذ استحدثت الجامعة تخصصات جديدة بالتعاون مع جهات دولية، منها الفرنسية والألمانية والكورية وغيرها، وعقدت عشرات الاتفاقيات لنقل التكنولوجيا. ومن الأمثلة اللافتة أن رئاسة الجامعة اقترحت استحداث كلية للتمريض لم يكن هدفها السوق الوطني، بل تجهيز كوادر للعمل في ألمانيا تحديدًا، ووقّعت الجامعة اتفاقية تدريب وتشغيل مع شركة ألمانية لضمان استيعاب الخريجين هناك، في نموذج مبكر لتصدير المهارة لا استيرادها فقط. وكانت كل فكرة تصل إلى المجلس تفتح نقاشًا مطولًا: لماذا هذا التخصص؟ وهل يحتاجه السوق المستهدف؟ وهل نملك الطلبة والكادر والقدرة على تحمل الكلفة؟ وكان بعض النقاش يتأثر بعقلية التعليم التقليدي التي لا ترى المستقبل إلا من خلال الحاضر، لكن الفرق بين المؤسسة المتحركة والمترددة أن القرار يُبنى على المعرفة واتجاهات العالم لا على الخوف من الجديد.


ومن هنا جاءت إحدى أهم عمليات التحول: إعادة هيكلة الكليات المنتشرة في المملكة، إذ لم تعد مجرد مواقع جغرافية بل جزءًا من منظومة وطنية للتعليم التقني، وكل كلية تُعاد صياغة هويتها بحسب ميزتها النسبية وشراكاتها الممكنة. فحصلت كليتا إربد والكرك في منتصف عام 2021 على دعم من مؤسسة كويكا الكورية بقيمة 6 ملايين دولار لإعادة هيكلتهما، وحصلت الجامعة على دعم إيطالي بقيمة 15.5 مليون دولار لتحويل كلية عجلون إلى كلية سياحية وزراعية، ترافق مع البدء بإنشاء كلية جرش التقنية لقيادة مهارات ترميم الآثار على الطريقة الإيطالية. وأعيدت صياغة كلية الهندسة التكنولوجية نحو نموذج البوليتكنيك، وأنشئت كلية السلط التقنية، واتجهت الجامعة لتكون كلية معان بوليتكنيك الجنوب، والحصن في الشمال، بمتابعة دورية من المجلس. وكان هذا التوجه ينسجم مع الرؤية الملكية الداعية لإعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني، وهو ما عبّر عنه وزير العمل الأسبق سمير مراد في افتتاح المؤتمر الدولي للتعليم التقني في 19 كانون الأول 2019، حين أشاد بتجربة جامعة البلقاء وقال إنها التقطت الإشارات الملكية وكانت سباقة في تنفيذها.


وفي إطار هذا التحول برزت قصة ما زلت أحتفظ بحيرتي تجاهها: مشروع تحويل كلية الأميرة عالية، وهي كلية إناث تربوية، إلى كلية مختلطة لتصبح متخصصة في اللغات، على أن تشمل العربية والإنجليزية إلى جانب الألمانية والكورية والصينية والإسبانية. ووافق مجلس التعليم العالي فعليًا على تحويلها لكلية مختلطة بتاريخ 28/10/2021 تمهيدًا لتخصصها في اللغات، لكنه عاد في أقل من ستة أشهر وألغى قراره دون أن أعرف السبب حتى اليوم، في نموذج آخر على أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الرؤية أو الجرأة على مستوى المؤسسة المنفذة، بل في عدم استقرار القرار حتى بعد اعتماده رسميًا، وهو ما يفتح تساؤلات أعمق عن مدى قدرة النظام على حماية قراراته من التقلب بعد اتخاذها.


لكن التحول الأهم ربما كان في إعادة تعريف الجامعة للمعرفة نفسها: لم يعد البحث العلمي غاية تنتهي بنشر ورقة، بل صار السؤال كيف تتحول المعرفة إلى ابتكار ينتقل من المختبر إلى الصناعة؟ ولهذا كان تحويل عمادة البحث العلمي إلى عمادة البحث العلمي والابتكار أكثر من تغيير اسم، ورُفعت مخصصات البحث العلمي إلى 9 بالمئة من موازنة الجامعة حينها. وترافق مع ذلك إنشاء مركز الابتكار والإبداع والريادة كحاضنة مستقلة للأفكار الريادية، وإن لم يميّز كثيرون بينه وبين العمادة لتشابه الاسمين وتقارب الأهداف ظاهريًا، رغم أن الأول حاضنة للأفكار الناشئة والثانية الإطار الأكاديمي الأشمل. وهذه القضية نفسها تعود اليوم بقوة في التجربة الصينية التي تربط الجامعات بالشركات والمستثمرين لتسريع انتقال البحث إلى التطبيق.


ومن هذا المنظور، كانت الفكرة التي بدأت في البلقاء قبل سنوات أبعد من مجرد تطوير للبحث العلمي؛ كانت محاولة لإعادة تعريف وظيفة الجامعة في اقتصاد المعرفة.


ثم جاءت التكنولوجيا: إنشاء المركز الأردني الكوري للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وأكاديمية هواوي، وغيرها من الشراكات الدولية، لتفتح الجامعة على عالم التكنولوجيا الذي كان يتغير بسرعة، لا لوضع أسماء شركات على المباني فقط. وبدأت الجامعة تتجه نحو الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني، بإدراج تخصصات علم البيانات وأمن المعلومات والأنظمة الذكية، إلى أن أصبحت كلية الذكاء الاصطناعي عام 2019 علامة بارزة في هذا التحول. وعلى صعيد المهارات الأساسية، أدخلت الجامعة منهاج كامبردج لتدريس الإنجليزية، إدراكًا أن أي تحول تقني لن يكتمل دون إتقان لغة المعرفة العالمية. وسبقت الجامعة جائحة كورونا في التفكير ببنية رقمية متكاملة: رقمنة كافة الأنظمة، بما فيها نظام العلامات الذي أثار احتجاجات بعض الطلبة، وإنشاء مركز التعليم الإلكتروني مبكرًا، وتدريب أعضاء هيئة التدريس منذ 2018، قبل أن يصبح التعليم الإلكتروني حديثًا يوميًا وقبل أن تضطر الجامعات إلى الانتقال المفاجئ إليه بسبب الجائحة. وأذكر قول رئيس مجلس الأمناء آنذاك، معالي المرحوم د. هشام الخطيب: "إنني أدعم كل خطوات رئاسة الجامعة التي تجهز الجامعة لتكون جامعة عقد الثلاثينات والأربعينات من الآن؛ الجامعات ستتغير وشكل التعليم سيتغير، وعلينا أن نكون مستعدين." كلام بدا للبعض بعيدًا حينها، ويبدو اليوم أقرب إلى قراءة مبكرة، بعد أن أصبحت الجامعات الصينية تتحدث صراحة عن الذكاء الاصطناعي محركًا لإعادة تشكيل التعليم.


حتى صناعة السيارات الحديثة لم تكن خارج هذه الرؤية، فالتعاون مع ميتسوبيشي وتويوتا في السيارات الهجينة والكهربائية عكس فهمًا بأن التعليم التقني يجب أن يواكب ما سيكون في السوق لا ما كان قبل عقد. لكن أكثر المشاريع كشفًا للفارق بين الرؤية والعقلية التقليدية كان مشروع المسارات المهنية والتطور الوظيفي، الذي قدمته رئاسة الجامعة عام 2018: ألا يكون الدبلوم أو التدريب المهني نهاية الطريق، بل مسارًا مرنًا من الدبلوم إلى البكالوريوس المهني فدرجات أعلى، مع الاعتراف بالخبرة العملية وربط ذلك بالإطار الوطني للمؤهلات. أقرّه المجلس بالأغلبية أوائل 2019 بوصفه مشروعًا وطنيًا يمكن أن يشكل نقطة تحول في تاريخ التعليم العالي الأردني، وبقي ينتظر موافقات مجلس التعليم العالي، والإجراءات التنظيمية اللازمة إلى أن جاءت بعد نحو عامين، في مثال واضح على أن المشكلة في الإصلاح ليست دائمًا غياب الأفكار، بل قدرة النظام المؤسسي على اتخاذ القرار في وقته. وهذا هو الفرق بين الدول التي تتقدم والدول التي تتأخر: ليس أن الأولى لا تخطئ، وإنما أنها تستطيع أن تتخذ القرار عندما تظهر الإشارة، وتحميه من التقلب بعد اتخاذه.


عندما أنظر اليوم إلى تلك السنوات، أجد خيطًا واحدًا يربط كل شيء: نقل الجامعة من "تدرّس ما تعرفه" إلى "تتعلم ما سيحتاجه المستقبل". إغلاق التخصصات الراكدة، واستحداث تخصصات المستقبل، وإعادة هيكلة الكليات من اربد الى العقبة، وتحويل البحث إلى ابتكار، وإنشاء مركز الابتكار والريادة ، والشراكات مع هواوي وكوريا، وكلية الذكاء الاصطناعي، ومنهاج كامبردج للغة الإنجليزية، ومركز التعليم الإلكتروني، والتعاون مع كبرى شركات صناعة السيارات، وكلية التمريض الموجهة للسوق لألمانيا، ومحاولة تحويل كلية الأميرة عالية لكلية لغات مختلطة، وإن لم تكتمل، والمسارات المهنية، كلها كانت جزءًا من فكرة واحدة: جامعة لا تنتظر المستقبل بل تستعد له. وفوق ذلك كله، كانت الحوكمة والرقابة المستقلة، التي عكستها القفزة في التقييم الخارجي من تقدير 48 لعام 2016 إلى 98 لعام 2019 و 2020، الأساس الذي بُنيت عليه كل هذه المشاريع لا على حماس إداري عابر.


والصين اليوم تتحدث عن جامعات ترتبط بالذكاء الاصطناعي والصناعة والابتكار، وتشهد تسارعًا في إعادة موازنة التخصصات وإضافة آلاف البرامج الجديدة. والسؤال ليس هل كنا نعرف، فربما كنا نعرف، ولا هل كانت لدينا أفكار، فلقد كانت لدينا أفكار، بل: لماذا لا نستطيع دائمًا تحويل الأفكار المبكرة إلى سياسات وطنية مكتملة في وقتها؟ ففي البلقاء بين 2017 وأوائل 2021، أُقرّت مشاريع كثيرة، بعضها نُفذ، وبعضها اصطدم بالتشريعات وتعدد مراكز القرار، وبعضها لم يكتمل. ولو اكتملت في إطارها الزمني، لشكّلت علامة فارقة في مسيرة التعليم العالي الأردني كله.


وهذه ليست دعوة لتمجيد الماضي، فكل تجربة لها ما لها وعليها ما عليها، لكن قيمتها في أن مؤسسة أردنية حاولت أن تقرأ العالم قبل أن يفرض نفسه عليها، وأن مجلس أمناء آمن بأن مراقبة التنفيذ ومساءلة الحوكمة بمعزل عن الإدارة التنفيذية شرط بقاء لا إجراء شكلي.


وربما لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل كانت البلقاء سابقة لعصرها، بل: هل نستطيع اليوم أن نعود إلى تلك الأفكار ونكملها على مستوى وطني؟ فالجامعة التي لا تغيّر تخصصاتها مع الاقتصاد، ولا تغيّر مختبراتها مع الصناعة، ولا تحوّل البحث إلى ابتكار، ستجد نفسها تدرّس الماضي لأبناء المستقبل. وهذا ما تكشفه الصين بوضوح: الجامعة الناجحة ليست التي تحافظ على ما لديها، بل التي تعرف متى تتخلى عن بعضه لتستعد لما سيأتي. وفي ذلك، ربما التقطت البلقاء الإشارة قبل عشر سنوات، لكن التاريخ لا يكافئ من رأى المستقبل فقط، بل من يملك الشجاعة ليبنيه.


* رئيس اللجنة الادارية والمالية قي مجلس امناء جامعة البلقاء التطبيقية السابق



مواضيع قد تهمك