البروفيسور يوسف العساف : الجامعة التي لا تنام
هناك مدن لا تنام.. مدن تظل أضواؤها مشتعلة، ومطاراتها تعمل، وأسواقها تتحرك، ومختبراتها تواصل التجربة، لأنها أدركت أن المستقبل لا ينتظر الصباح. لكن في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات المتسارعة، نحتاج إلى نوع آخر من المؤسسات التي لا تنام: جامعات لا تنام.
الجامعة التي لا تنام ليست جامعة تفتح أبوابها 24 ساعة، بل جامعة يبقى عقلها مستيقظاً؛ تراقب المستقبل، وتختبره، وتصنعه قبل أن يصل، فنموذج الجامعة التقليدية الذي يبدأ بالكليات والأقسام والبرامج والمقررات والساعات المعتمدة وينتهي بالشهادة، لم يعد كافياً لعالم تتغير فيه المهن والمعارف بسرعة، وتصبح فيه المشكلات الكبرى أكبر من أن يحلها تخصص واحد.
لذلك قد يكون مستقبل الجامعة في الانتقال من جامعة مبنية على التخصصات إلى جامعة مبنية على التحديات. بدلاً من أن تنتظم حول كليات ثابتة، يمكن أن تنتظم حول تحديات مثل مستقبل المدن، والذكاء الاصطناعي، والصحة وطول العمر، والفضاء، والطاقة، والأمن الغذائي، والمناخ ومستقبل الحكومة. هنا يأتي التخصص لخدمة المشكلة، وليس العكس.
وقد تتحول الجامعة إلى نظام تشغيل للمستقبل، يجمع تحت مظلته المعرفة والمواهب والشركات والحكومة والمستثمرين والمختبرات والبيانات، لتصبح المكان الذي تلتقي فيه الأفكار برأس المال، والبحث بالسوق، والطالب بالمشكلة الحقيقية.
لا تنام الجامعة عندما يكون لديها طبقة رقمية تعمل باستمرار. وقد يكون للطالب وكيل أكاديمي بالذكاء الاصطناعي يتابع تعلمه ومهاراته ومشاريعه، ويكتشف فجواته ويقترح خطواته التالية.
والجامعة نفسها يمكن أن تصبح Agentic University، حيث يعمل وكلاء الذكاء الاصطناعي على تنسيق العمليات الأكاديمية والبحثية والإدارية، ضمن حوكمة بشرية تضمن المسؤولية والثقة.
وفي المستقبل قد لا تكون الشهادة وثيقة ثابتة. يمكن أن تصبح هوية تعليمية حية تتطور مع الإنسان؛ تضيف كل مهارة ومشروع واعتماد مهني وبراءة اختراع وإنجازاً إلى ملفه. عندها لا يكون التخرج نهاية الجامعة، بل بداية جامعة مدى الحياة.
وقد يتغير مفهوم الطالب نفسه. بدلاً من أن يتخرج حاملاً شهادة فقط، يتخرج ومعه «محفظة مستقبلية» تضم المعرفة والمهارات والمشاريع والخبرة والملكية الفكرية والشبكة المهنية، وربما شركة ناشئة، بل يمكن أن يصبح كل طالب مشروعاً مستقبلياً، تساعده الجامعة على تحويل فكرته إلى نموذج أولي، ثم شركة ناشئة، ثم مشروع قابل للنمو. عندها تصبح الجامعة مصنعاً للمشروعات والشركات بقدر ما هي مصنع للخريجين.
والمدينة نفسها يمكن أن تصبح مختبراً للجامعة، فمن خلال التوائم الرقمية للمدن، يستطيع الطلاب والباحثون اختبار أنظمة النقل والطاقة والخدمات الحكومية والسيناريوهات الاقتصادية قبل تطبيقها في الواقع. تصبح المدينة مختبراً حياً، ويصبح الحرم الجامعي جزءاً من منظومة المدينة.
حتى الخريج لن يغادر الجامعة، سيبقى جزءاً من شبكة معرفية مدى الحياة: معلماً، أو مستثمراً، أو مرشداً، أو شريكاً بحثياً، أو صاحب شركة يستقبل الطلاب.
وهكذا تتغير وظيفة الجامعة من التعليم والبحث وخدمة المجتمع إلى دورة جديدة: تتخيل المستقبل، تجربه، تصنعه، تطبقه، ثم توسع أثره.
في الجامعة التي لا تنام، لا ننتظر الوظائف الجديدة كي نعد لها، ولا التكنولوجيا كي نستخدمها، ولا المشكلات كي نبدأ بحلها. نتحرك قبل الحاجة.
فإذا كانت المدن التي لا تنام تصنع اقتصاد اليوم، فإن الجامعات التي لا تنام تصنع اقتصاد الغد.