اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أمل عواد المعايطة : الحسين والشباب: حين يكون الإصغاء سياسة

أمل عواد المعايطة : الحسين والشباب: حين يكون الإصغاء سياسة
أخبارنا :  

في المشهد الذي جمع سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وسمو الأميرة رجوة الحسين، بأوائل الثانوية العامة في قصر بسمان الزاهر، ما يستحق التوقف عنده: ليس فقط تكريم الطلبة المتفوقين، وإنما الطريقة التي تعامل بها ولي العهد مع هذه المناسبة.

 

فالتهنئة وحدها كانت تكفي لتأدية واجب المناسبة، لكن سموه اختار أن يستمع.

استمع إلى طلبة هم أول فوج يتخرج من نظام الثانوية العامة الجديد، وسألهم عن تجربتهم، وعن آرائهم بالنظام، وعن التخصصات الجامعية التي يحلمون بدراستها.

وهنا تحديداً تكمن أهمية المشهد.

الحسين لا ينظر إلى الشباب باعتبارهم موضوعاً للحديث، بل باعتبارهم شركاء في الحديث عن المستقبل.

وهذه ليست مسألة شكلية.

الشباب هم الفئة التي نتحدث عنها كثيراً، ونكتب من أجلها الخطط، ونضع لها الاستراتيجيات، ونقول دائماً إنها "عماد المستقبل". لكن الفرق بين الشعار والممارسة يظهر عندما نجلس مع الشباب ونسمع منهم فعلاً.

ولي العهد، في أكثر من مناسبة، جعل من الاقتراب من الشباب والاستماع إليهم جزءاً واضحاً من حضوره العام. وهذه ليست مهمة سهلة؛ لأن الاستماع الحقيقي يعني أن نكون مستعدين لسماع ما يرضينا وما لا يرضينا، وما يتفق مع تصوراتنا وما يختلف معها.

الشاب لا يحتاج دائماً إلى من يعطيه محاضرة عن المستقبل.

أحياناً يحتاج فقط إلى مسؤول يجلس أمامه ويسأله: ماذا تريد؟ ماذا ترى؟ ما الذي لم يعجبك؟ وما الذي يمكن أن نفعله بصورة أفضل؟

هذه اللغة القريبة من الشباب مهمة جداً في بلد شاب مثل الأردن.

فالجيل الذي يملأ مدارسنا وجامعاتنا اليوم نشأ في عالم مختلف تماماً. هو أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر سرعة في الوصول إلى المعلومة، وأقل صبراً على اللغة الرسمية الجامدة. يريد أن يفهم، ويريد أن يشارك، ويريد أن يرى أثراً لما يقوله.

وهنا تأتي أهمية نموذج ولي العهد.

فالقرب من الشباب لا يعني أن يكون المسؤول شاباً في العمر فقط، وإنما أن يفهم طريقة تفكيرهم، وأن يثق بقدرتهم، وأن يمنحهم مساحة للكلام والفعل.

والحسين، بحكم موقعه، يستطيع أن يحول هذه العلاقة من مجرد تواصل إلى ثقافة عامة.

أن يصبح الإصغاء للشباب جزءاً من طريقة إدارة الشأن العام.

أن تصبح ملاحظات الطالب على نظام التعليم مادة حقيقية في عملية التطوير.

أن تصبح فكرة الشاب في الجامعة موضع اهتمام، لا مجرد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأن يشعر الشاب الأردني أن الدولة لا تتحدث عنه من بعيد، وإنما تعرفه وتسمعه وتراه.

ولعل لقاء أوائل الثانوية العامة يحمل دلالة إضافية.

هؤلاء الطلبة يقفون على عتبة مرحلة جديدة. قريباً سيدخلون الجامعات، وبعد سنوات سيصبحون أطباء ومهندسين وباحثين ومبرمجين ومعلمين وأصحاب أعمال وموظفين في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.

أي أنهم، ببساطة، جزء من الجيل الذي سيعيش الأردن الذي نعمل اليوم على بنائه.

ولهذا فإن حديث ولي العهد معهم عن تخصصاتهم الجامعية ليس حديثاً عابراً.

إنه حديث عن شكل الأردن القادم.

حين يسألهم: ماذا ستدرسون؟ فهو، بصورة غير مباشرة، يسأل: ما الذي تريدون أن تكونوا عليه؟ وما الذي يحتاجه الأردن ؟ وأين ترون أنفسكم فيه؟

يجب أن تنتقل إلى المدارس والجامعات والوزارات والمؤسسات، وإلى كل مكان تُتخذ فيه القرارات المتعلقة بالشباب.

فنحن لا نعاني من نقص في الحديث عن الشباب.

نعاني أحياناً من نقص في الإصغاء إليهم.

وهناك فرق كبير.

الشباب لا يريدون أن يكونوا دائماً "ملف الشباب".

يريدون أن يكونوا جزءاً من كل الملفات: التعليم، الاقتصاد، العمل، التكنولوجيا، الثقافة، الإدارة، وحتى صناعة القرار.

وهذا هو الرهان الحقيقي أمام تجربة ولي العهد مع الجيل الجديد.

أن تتحول العلاقة من لقاءات جميلة إلى ثقة متبادلة.

ومن الثقة إلى مشاركة.

ومن المشاركة إلى إنجاز.

فالبلد الذي يريد أن يتقدم لا يستطيع أن يبني مستقبله بعقلية الماضي وحدها.

نحن بحاجة إلى خبرة الكبار، بالتأكيد، لكننا بحاجة أيضاً إلى أسئلة الشباب التي نستغربها أحياناً، وإلى أفكارهم التي تبدو غير مألوفة أحياناً أخرى، وإلى طاقاتهم التي لا تقبل الانتظار طويلاً.

والحسين، بحضوره القريب من هذه الفئة، يمثل جسراً بين جيلين: جيل يعرف الأردن كما كان، وجيل يريد أن يعرفه كما يمكن أن يكون.

وهذا ربما هو المعنى الأجمل لمشهد اللقاء.

ولي العهد لم يجلس أمام أوائل الثانوية ليقول لهم فقط: أحسنتم.

جلس ليسمعهم وهم يقولون: هذا ما نراه، وهذا ما نريده، وهذا ما نحلم به.

وهذه العلاقة، إذا استمرت وتعمقت، يمكن أن تكون واحدة من أهم ملامح بناء الأردن الحديث.


مواضيع قد تهمك