اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

محمد جودت الرفاعي : التطوع.. قيمة نزرعها قبل أن نطلبها

محمد جودت الرفاعي : التطوع.. قيمة نزرعها قبل أن نطلبها
أخبارنا :  

أحياناً نطالب أطفالنا عندما يكبرون بأن يكونوا أكثر عطاءً، وأن يخدموا مجتمعهم، وأن يشعروا بالآخرين، لكننا ننسى أن هذه القيم لا تظهر فجأة في شخصية الإنسان، بل تبدأ من سنوات الطفولة، من موقف صغير، ومن كلمة يسمعها الطفل، ومن سلوك يراه في والديه ويتعلم منه.

 

وبرأيي، فإن أفضل طريقة لتعزيز ثقافة التطوع لدى الأطفال ليست أن نتحدث لهم كثيراً عن أهمية التطوع، وإنما أن نجعلهم يرونه ويعيشونه معنا.

أتذكر موقفاً بسيطاً رأيته يمكن أن يحدث مع أي عائلة، أم كانت مع أطفالها في السيارة بإحدى المناطق بعمان، وفي الطريق كان عامل يقوم بتنظيف الشارع في يوم شديد الحرارة، وبدلاً من المرور بالمشهد وكأنه أمر عادي، توقفت للحظة، وقدمت له زجاجة ماء.

قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه بالنسبة للأطفال الذين كانوا معها رسالة مهمة: هناك أشخاص يعملون من أجل راحتنا، ونحن أيضاً نستطيع أن نقدم لهم شيئاً.

ومن هنا يمكن أن تبدأ الأسرة في تحويل المواقف اليومية إلى فرص لغرس قيمة التطوع، وأن يشارك الطفل في حملة لتنظيف مكان عام، أو يساعد في جمع المخلفات بعد نزهة عائلية، أو يحرص على عدم رمي شيء في الشارع، وأن يشارك والديه في تجهيز وجبات خفيفة وتقديمها لمن يحتاج إليها، أو يختار بعض ملابسه وألعابه التي لم يعد يستخدمها ليتبرع بها لمن هم بحاجة إليها.

وحتى مساعدة كبير السن في العائلة، أو زيارة مريض، أو مساعدة جار، أو تقديم كلمة طيبة لشخص يعمل في خدمة المجتمع، كلها مواقف يمكن أن تعلّم الطفل معنى العطاء.

والأجمل أن تكون هذه الممارسات جزءاً من حياة الأسرة، لا مجرد نشاط موسمي، فحين يرى الطفل والديه يقدمان المساعدة دون انتظار مقابل أو تصوير أو إشادة، سيفهم أن التطوع ليس بحثاً عن الظهور، وإنما إحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين.

وأعتقد أن مسؤوليتنا لا تقتصر على تعليم الطفل كيف يساعد، بل أن نعلمه أيضاً لماذا يساعد، وأن يفهم أن نظافة الشارع مسؤوليته، وأن احترام العامل تقدير للإنسان، وأن مساعدة المحتاج تعكس قيم المجتمع، وأن العطاء لا يقاس بحجمه وإنما بأثره.

فنحن اليوم بحاجة إلى أن نربي أطفالاً لا يعيشون بمعزل عن مجتمعهم، بل يرون أنفسهم جزءاً منه، أطفالاً يلاحظون عندما يحتاج شخص إلى مساعدة، وعندما يرون مشكلة لا يكتفون بالقول: "ليست مسؤوليتي"، بل يسألون: "ماذا يمكنني أن أفعل؟".

وفي رأيي، هذه واحدة من أجمل القيم التي يمكن أن نتركها لأبنائنا، لأن الطفل الذي يتعلم العطاء في البيت، سيكبر وهو أكثر قدرة على فهم مجتمعه، وأكثر استعداداً للمشاركة في بنائه.

فالتطوع ليس ساعات نضعها في سجل، ولا صورة نلتقطها في فعالية، بل ثقافة تبدأ من موقف صغير، وقد تتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة.

وربما تكون زجاجة ماء نقدمها لعامل في يوم حار، أو قطعة طعام نقدمها لمن يحتاجها، أو حتى ورقة نرفعها من الشارع مع طفلنا، هي أول درس حقيقي يتعلمه عن معنى أن يكون إنساناً نافعاً لمجتمعه.


مواضيع قد تهمك