اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

جهاد المنسي : صناع المحتوى.. نعم نريد تنظيما

جهاد المنسي : صناع المحتوى.. نعم نريد تنظيما
أخبارنا :  

لم يعدْ الفضاء الإلكتروني هامشاً في الحياة العامة حتى يُترك بلا تنظيم، ولم يعد صانع المحتوى مجرد شخص يحمل هاتفاً ويصور ما يريد ثم ينشره لجمهور محدود، اليوم هناك أشخاص يصنعون الرأي العام، ويؤثرون في مواقف الناس، ويشكلون اتجاهاتهم، بل إن بعضهم أصبح أكثر يتابعه ملايين.

 


ومن هنا، فإنّ خطوة تنظيم وترخيص صنّاع المحتوى في الأردن تستحق التثمين، لأنها تأتي في وقت بات فيه الفضاء الرقمي بحاجة حقيقية إلى قواعد واضحة، تضع حداً للفوضى، وتحدد المسؤولية، وتمنح المحتوى المهني والجاد فرصة للتميز عن ذلك المحتوى الذي يقوم على الإثارة والتضليل والاغتيال المعنوي.

لكن، وفي الوقت نفسه، فإن الترخيص والتنظيم يجب ألا يتحولا، تحت أي ظرف، إلى بوابة لتكميم الأفواه أو مصادرة حق الناس في التعبير والنقد والاختلاف، هذه هي المعادلة التي يجب أن تبقى حاضرة أمام الجميع.

نعم، نحن بحاجة لتنظيم الفضاء الإلكتروني، لا إلى إخضاعه للوصاية، ونحتاج لمعرفة من يقف خلف المحتوى الذي يتحول إلى عمل مهني ومصدر دخل وتأثير واسع، لكننا لا نحتاج إلى تحويل كل مواطن يكتب رأياً أو يصور مقطعاً أو ينتقد مسؤولاً إلى مشروع (مخالف) يحتاج إلى إذن مسبق؛ فالفارق كبير بين تنظيم المهنة وبين تنظيم الأفكار، وهذا الفارق هو الذي سيحدد نجاح التجربة من عدمه.

وحتى نضع الأمور في نصابها المنطقي، فإن الثناء على قيام بعض صناع المحتوى إلى الترخيص، ومن بينهم محمد فايز قاسم، الذي كان المبادر الأول للترخيص وحمل الرقم واحد، وزميله عمر مهيار، وربما آخرون في الطريق؛ إن الثناء على خطوتهم واجب، وما قاموا به يعكس قدراً من المسؤولية المهنية، ويؤكد أن الالتزام بالإطار القانوني لا يعني التخلي عن الحضور أو التأثير أو حرية التعبير، بل على العكس، فإن معرفة صاحب المحتوى باسمه وصفته ومسؤوليته يمكن أن تعزز ثقة الجمهور به، وتمنحه مساحة أكبر للعمل المهني، وتضعه في مواجهة مباشرة مع مسؤولية الكلمة التي يقدمها.

والدعوة هنا لبقية صناع المحتوى الجادين بأن يحذوا حذو هؤلاء، ليس خوفاً من القانون، وإنما لأن المرحلة الجديدة تتطلب أن يعرف الجمهور من يقول ماذا، ومن يتحمل مسؤولية ما يقول.

عمليا؛ فانه بات ضروريا معرفة الغث من السمين في هذا البحر الهائل من المعلومات، ففي مقابل صناع محتوى يقدمون معرفة حقيقية، ويتناولون قضايا المجتمع بجرأة، وينقلون الوقائع ويقدمون الرأي ويخدمون الناس، هناك من جعلوا من المنصات الإلكترونية مصدراً دائماً للضجيج، وبث الإشاعات، وتصفية الحسابات، والتشهير، وتزييف الحقائق، وإرباك الناس، مع إسفاف غير مقبول وكلمات لا يجوز أن تلوث فضاءنا الرقمي؛ وهؤلاء هم الذين يجب أن يكون التنظيم موجهاً إليهم.

ليس المطلوب إيقاف صاحب الرأي المختلف، وإنما إيقاف من يحوّل الكذب إلى صناعة، والإشاعة إلى تجارة، والتشهير إلى وسيلة لزيادة المشاهدات، وليس المطلوب إسكات المنتقد، وإنما محاسبة من يتعمّد نشر معلومة كاذبة يعرف أنها كاذبة، أو يختلق رواية لإثارة الفتنة، أو يعتدي على أعراض الناس وخصوصياتهم، أو يستخدم جمهوره الكبير لتدمير سمعة شخص دون دليل، فحرية التعبير ليست رخصة للكذب، كما أن التنظيم ليس رخصة للمنع.

وهنا تحديداً يجب أن تكون هيئة الإعلام أمام مسؤولية كبيرة، فالنجاح الحقيقي للتجربة لن يقاس بعدد الرخص التي تصدرها الهيئة، وإنما بقدرتها على إيجاد توازن دقيق بين حرية التعبير والمسؤولية.

نحن لا نريد فضاءً إلكترونياً بلا قانون، لأن الفوضى تقتل الحقيقة، ولا نريد فضاءً إلكترونياً يخشى فيه الناس من الكلام، لأن الخوف يقتل الحرية، نريد فضاءً يعرف فيه الجميع حقوقهم وواجباتهم، ويستطيع فيه المواطن أن ينتقد الحكومة والنائب والوزير والمسؤول والمؤسسة، دون أن يخشى أن يتحول التنظيم إلى أداة لمعاقبته على رأيه.

وفي المقابل، يجب أن يعرف صاحب المنصة أن امتلاكه آلافاً أو ملايين المتابعين لا يمنحه حصانة من المسؤولية، وأن «المحتوى» ليس منطقة خارج القانون، ولذلك فإن ترخيص صنّاع المحتوى يمكن أن يكون خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، إذا بقي هدفه تنظيم المهنة لا تنظيم العقول.


مواضيع قد تهمك