د. حازم قشوع : الملك في بكين وفلسطين القضية
د. حازم قشوع
حين يعمل الملك على إعادة وضع فلسطين القضيةَ في سلم الأولويات الدولية، كما يعمل من أجل بيانها وإبرازها في كل الجمل السياسية، ويقوم بإعادة طرحها في مختلف المحافل الدولية، فكأن حال الملك عبدالله الثاني يقول: «فلسطين قضيتي وستبقى قضية الانسانية ». فهي ليست جملة سياسية عابرة، وليست نابعة من موقف مرتبط بظرف إقليمي أو دولي متغير، وإنما هي تعبير عن عقيدة أردنية راسخة، وعن موقف هاشمي يرى في فلسطين والقدس قضية أمة وضميرًا إنسانيًا، ومسألة أمن واستقرار وسلام في المنطقة والعالم اجمع .
لقد ارتبط الأردن بفلسطين تاريخًا وجغرافيا ودمًا ومصيرًا، وظلت القدس في وجدان القيادة الهاشمية عنوانًا للهوية العربية والإسلامية، وحاضرة في مسيرة الدولة الأردنية منذ تأسيسها. ومن هنا لم تكن الوصاية الهاشمية على المقدسات مجرد دور بروتوكولي، بل مسؤولية تاريخية ودينية ووطنية تجاه مدينة تختزن ذاكرة الحضارات والأديان.
ولعل أكثر ما يميز الموقف الأردني أنه لا ينظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية الصراع وحده، بل من زاوية الحق والسلام معًا؛ فالأردن يريد فلسطين حرة مستقلة، ويريد القدس مدينة للسلام، ويرى أن إقامة الدولة الفلسطينية على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق حل الدولتين، هي الطريق الأكثر واقعية لتحقيق الأمن والاستقرار وإنهاء الصراع.
لكن المشهد اليوم أصبح أكثر خطورة وتعقيدًا، بعدما تحولت الحرب على غزة إلى كارثة إنسانية ودمار واسع، بينما يتقدم على الأرض مشروع استيطاني تقوده قوى اليمين المتطرف والمستوطنون، لا بهدف التوسع المكاني فحسب، وإنما باتجاه فرض واقع جديد يقود إلى أسرلة القدس والضفة الغربية معا وتغيير طبيعة الأرض والديموغرافيا، وإغلاق الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية التى كفلها القانون الدولي الانساني .
وفي الوقت نفسه تعيش السلطة الوطنية الفلسطينية حالة من الضيق الشديد تحت وطأة الحصار المالي المطبق، فيما يتنامى العنف والغلو الذي تمارسه مجموعات من المستوطنين بحق الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، في مشهد ينذر بتحويل الضفة إلى ساحة مفتوحة للفوضى والعنف، بعد أن جرى تدمير معظم مقومات الحياة في غزة اخذت تهدد سلامة العيش فيها .
وهنا تصبح القضية أبعد من مجرد وقف إطلاق النار؛ إذ إن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول نتائج الحرب إلى واقع سياسي دائم، بحيث يجري التعامل مع غزة باعتبارها ملفًا منفصلًا، بينما تستكمل عملية فرض الوقائع الاستيطانية في القدس والضفة. ولذلك فإن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تكون منفصلة عن إعادة بناء المسار السياسي للقضية الفلسطينية، كما أن وقف الحرب لا يمكن أن يكون غطاءً لاستكمال مشروع الاستيطان والتهجير وتغيير الجغرافيا لاسيما بعد قرار الحكومه الاسرائيليه بنقل الصلاحيات الامنيه من الجيش لقوى الامن الداخلي الاسرائيلي بقيادة وزير التطرف بن غفيير وهو ما اجج الحاله بالضفه وجعلها على ابواب صدام كبير لكون هذا القرار بمثابة اعلان ضم للضفه الامر الذى ينذر باندلاع انتفاضه فلسطينية ستكون غير مسبوقه فى التاريخ الحديث .
وفي هذا السياق، تأتي الجولة التي يقوم بها قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال مايكل كوريلا، إلى عدد من العواصم المركزية في المنطقة، بالتزامن مع دخول حاملة الطائرات جورج بوش بدلا من «لينكولن» إلى بحر العرب، لتضيف إلى المشهد العسكري والسياسي طبقة جديدة من التعقيد. ويأتي في موازاة ذلك اللقاء المباشر الذي جمع جاريد كوشنر، بوصفه أحد أبرز قنوات الإيقاع الدبلوماسي في إدارة الرئيس ترامب، مع قيادة حماس في القاهرة، بحضور إقليمي ودبلوماسي وازن.ومن الصعب فصل هذه التحركات عن مسار أوسع يجري في الإقليم؛ إذ إن محاولة تحييد القضية الفلسطينية، أو احتواء حركة حماس ضمن ترتيبات منفصلة، قد تعني عمليًا إعادة تعريف موقع غزة في المشهد الإقليمي، خصوصًا إذا جرى التعامل معها باعتبارها ملفًا يمكن فصله عن المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي المقابل، فإن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، بالتزامن مع استمرار المفاوضات العُمانية ـ الإيرانية ضمن الشروط الأميركية، يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، من بينها احتمال توجيه ضربة أميركية مباشرة إلى إيران، وهي ضربة يصفها بعض المراقبين بالقوية، وهى المحصله التى قد يعيد المنطقة إلى أجواء المواجهة المفتوحة ويطلق موجة جديدة من المعارك فى اجواءها التى باتت ملبدة .
وهنا تحديدًا تبدو خطورة المرحلة؛ لأن أي مواجهة أميركية ـ إيرانية جديدة لن تبقى محصورة في ساحتها الأصلية، بل يمكن أن تمتد تداعياتها إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، وأن تعيد ترتيب المشهد الفلسطيني في الوقت نفسه فى جمله سياسيه وامنيه واحدة ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحرب ستقع، وإنما بما إذا كانت المنطقة تُهيّأ لمرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار وموازين القوة، بحيث تصبح فلسطين مرة أخرى جزءًا من صفقة إقليمية أكبر، بدل أن تكون أصل القضية ومركز الحل.
ومن هنا تكتسب زيارة الملك عبدالله الثاني المرتقبة إلى الصين ولقاؤه بالرئيس الصيني شي جين بينغ أهمية استثنائية لما تشكله الصين من وزن قطبي وازن ... فالزيارة تأتي والمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية، وفي توقيت يسبق انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يجعل اللقاء فرصة مهمة لتنسيق المواقف حول القضية الفلسطينية، وحشد الدعم الدولي من أجل وقف الحرب، وحماية حل الدولتين، ووقف الاستيطان، وحماية القدس ومقدساتها، ودعم السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بما يبقيه ثابتا صامدا على ارضه مواجها قوى الاحتلال الغاصبه .
كما أن أهمية اللقاء الأردني ـ الصيني تنبع من مكانة الصين وثقلها السياسي والاقتصادي والدولي، وقدرتها على الإسهام في صياغة مقاربة دولية أكثر توازنًا تجاه القضية الفلسطينية. فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى إدارة الصراع فقط، وإنما إلى إعادة فتح أفق سياسي حقيقي يمنع انهيار حل الدولتين، ويحول دون تحويل الضفة والقدس إلى واقع استيطاني مغلق، ويضمن للفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم المستقلة.
ولذلك فإن اللقاء الملكي ـ الصيني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره لقاءً ثنائيًا تقليديًا، وإنما باعتباره لقاءً بين دولتين تلتقيان عند أهمية الاستقرار الدولي، وضرورة احترام سيادة الدول، ورفض فرض الوقائع بالقوة، وإيجاد مسار سياسي للقضية الفلسطينية. والأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي ودوره التاريخي، يستطيع أن يكون جسرًا بين الرؤية العربية والمقاربات الدولية، بينما تمتلك الصين من أدوات الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية ما يؤهلها للمساهمة في بناء توازن دولي جديد.
إن الصوت الأردني في هذه اللحظة لا يتحدث من موقع المزايدة، بل من موقع الدولة التي دفعت ثمن القضية الفلسطينية، واحتضنت اللاجئين، وقدمت الشهداء، وحافظت على القدس ومقدساتها، وظلت تتحرك في كل المحافل الدولية من أجل حماية الحقوق الفلسطينية ومنع تصفية القضية تحت أي مسمى...إن جملة الملك «فلسطين قضيتي» يعني أيضًا أن الأردن لا يقبل أن تكون فلسطين وطنًا بديلًا، ولا أن تتحول معاناة الفلسطينيين إلى مشروع تهجير أو إعادة توطين، كما لا يقبل أن تصبح غزة أو الضفة الغربية ساحات مفتوحة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية على حساب الشعب الفلسطيني ودول المنطقة.
فالملك، وهو يحمل هذا الموقف، إنما يعبر عن مدرسة سياسية هاشمية ترى أن قوة الأردن ليست في الابتعاد عن قضايا أمته، وإنما في حماية ثوابته الوطنية والقومية، وفي مقدمتها فلسطين والقدس. ولهذا ظل الأردن حاضرًا في قلب المشهد،
لا بحثًا عن دور، وإنما لأن فلسطين جزء من أمنه الوطني ووجدانه العربي.
واليوم، وبينما تتغير خرائط القوة وتتشكل تحالفات جديدة، تبقى فلسطين هي البوصلة التي تكشف حقيقة المواقف. وستظل القدس مفتاحًا للسلام كما كانت عنوانًا للصراع، وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، متمسكًا بأن لا سلام من دون عدالة، ولا استقرار من دون دولة فلسطينية، ولا مستقبل للمنطقة من دون حل يحفظ حقوق الفلسطينيين وكرامتهم.
ولهذا فإن «فلسطين قضيتي» ليست جملة تُقال، وإنما عهد سياسي وتاريخي، وموقف دولة، وامتداد لمسيرة هاشمية جعلت من القدس وفلسطين قضية ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات أو تبدل خرائط القوة...إنها فلسطين التي كانت وستبقى قضية الأردن، وقضية العرب، وقضية الإنسانية جمعاء .