اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. سمير صابر بينو : التكامل والتوازن أساس البناء

د. سمير صابر بينو : التكامل والتوازن أساس البناء
أخبارنا :  

في إحدى الجلسات مع الصديق اللواء أحمد سامي، بطل جمهورية مصر العربية وبطل أبطال العالم والحاصل على ثلاث ميداليات ذهبية في بطولة العالم لكمال الأجسام، وبينما كان يتحدث عن تجربته في هذه الرياضة، قلت له: لا شك أن مشوار الفوز كان شاقاً وصعباً، ولا سيما أنه رب أسرة ولا يزال على رأس عمله في جهاز أمني تفرض طبيعة عمله كثيراً من الواجبات والمسؤوليات.


فكان رده أنه لم يكن سهلاً التوفيق بين الوظيفة والأسرة والرياضة، لذا تطلب منه وضع قواعد شخصية صارمة والالتزام بها، حتى يعطي كل جانب حقه من الوقت والاهتمام والتركيز اللازم، بالإضافة إلى أن رياضة كمال الأجسام لا تعتمد على التمارين الشاقة والمنتظمة وحدها، وأن الوصول إلى المراكز المتقدمة فيها يتطلب عناية متوازنة بمجموعة من العناصر، من بينها الوزن، والحجم، والتناسق، والكتلة العضلية، والقوة، واللياقة، إلى جانب التغذية والانضباط ونمط الحياة. والأهم من ذلك كله أن تكون لدى الرياضي صورة واضحة للشكل الذي يسعى إلى بنائه والوصول إليه. فالتركيز على عنصر واحد، أو على عدد محدود من العناصر، وإهمال بقية العناصر لا يقود إلى النتيجة المنشودة؛ إذ إن النجاح في هذه الرياضة هو حصيلة تكامل عناصر متعددة، وتحقيق التوازن بينها، وتوجيهها جميعاً نحو صورة مستهدفة واضحة.


ما تحدث عنه البطل كان أوسع بكثير من حدود الرياضة؛ فهو ينطبق، بدرجات مختلفة، على بناء الإنسان والمؤسسات والدول. فالإنسان لا يُبنى بالمعرفة وحدها، ولا بالمهارات وحدها، ولا بالقيم أو الصحة أو الانضباط منفردة، وإنما من خلال منظومة متكاملة تتوازن فيها المعرفة والمهارات والقيم والقدرة على التفكير والتكيف وتحمل المسؤولية. وقد يتفوق الإنسان في جانب، لكنه يظل محدود القدرة إذا أُهملت الجوانب الأخرى اللازمة لاكتمال بنائه.


والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات. فلا تكفي الموارد المالية لبناء مؤسسة قوية، كما لا يكفي وجود الكفاءات أو التكنولوجيا أو الخطط والاستراتيجيات، ما لم تتكامل معها القيادة والحوكمة والثقافة المؤسسية والهياكل والعمليات والقدرات البشرية ونظم المعلومات والمتابعة. فالتقدم الكبير في أحد هذه المكونات، مع إهمال غيره، قد ينتج مؤسسة قوية في جانب، لكنها تعاني نقاط ضعف تحدّ من قدرتها الكلية.


وينطبق المنطق ذاته على بناء الدولة؛ فالدولة القادرة لا تُبنى بالاقتصاد وحده، ولا بقوة مؤسساتها الأمنية أو الإدارية، ولا بالبنية التحتية أو التكنولوجيا منفردة، وإنما بتكامل مؤسساتها وقدراتها الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والإدارية والأمنية والتكنولوجية، وبقدرتها على توجيه هذه العناصر ضمن رؤية وطنية واحدة نحو غايات واضحة ومستقبل مستهدف.


إن نقطة البداية في عملية البناء ليست تطوير المكونات بصورة منفصلة، بل تبدأ بتحديد الصورة التي نريد الوصول إليها؛ ما الإنسان الذي نريد بناءه؟ وما المؤسسة التي نريدها؟ وما الدولة التي نريد أن نكون عليها في المستقبل؟ ثم تحديد العناصر والقدرات اللازمة للوصول إلى هذه الصورة، والعمل على بنائها وتطويرها بصورة متوازنة ومتكاملة.


فالنجاح في بناء الإنسان والمؤسسة والدولة، كما في بناء الجسد، لا يتحقق بكثرة الجهد وحده، ولا بتطوير بعض العناصر على حساب غيرها، وإنما بوضوح الصورة المستهدفة، وتكامل عناصر البناء، والتوازن بينها، والمتابعة المستمرة في قياس التقدم وتصحيح المسار.



مواضيع قد تهمك