حمزة خليلل الزعي : العقبة .. من بوابة بحرية إلى قلب لوجستي للمنطقة
هناك مدن تفرض أهميتها بما تملكه اليوم، وأخرى تكمن أهميتها فيما تستطيع أن تصبح عليه غدًا، والعقبة، برأيي، تنتمي إلى النوع الثاني.
فهي ليست مجرد مدينة في أقصى جنوب الأردن، ولا نافذتنا البحرية الوحيدة على البحر الأحمر فحسب، بل أصل استراتيجي وطني يمكن، إذا أحسنّا استثماره، أن يعيد تعريف موقع الأردن على خارطة التجارة والنقل والخدمات اللوجستية في المنطقة.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها طرق التجارة العالمية والاضطرابات التي أصابت بعض الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، لم يعد السؤال: هل العقبة مهمة؟ فهذا أمر محسوم منذ عقود. السؤال الحقيقي اليوم: هل نحن جاهزون لتحويل هذه الأهمية إلى قوة اقتصادية؟
الأرقام تؤكد أن الفرصة حقيقية. فخلال النصف الأول من عام 2026، تعاملت موانئ ومرافق العقبة اللوجستية مع نحو 13.3 مليون طن من البضائع، بنمو يقارب 12%، فيما سجل الميناء متعدد الأغراض نموًا بلغ 61%، ووصلت مناولة ميناء الحاويات إلى 472,681 حاوية مكافئة، مع ارتفاع حاويات الترانزيت المستوردة بنسبة لافتة.
لكن الأرقام وحدها ليست معيار النجاح. فخلف كل سفينة وحاوية منظومة اقتصادية من النقل والتخليص والتخزين والتأمين والتمويل والمناولة والصيانة والخدمات التقنية والخطوط الملاحية. ولذلك يجب أن يكون السؤال: كم من هذه الحركة تحول إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الأردني؟ كم فرصة عمل خلقنا؟ كم شركة أردنية استفادت؟ وكم استثمارًا استقطبنا؟
هنا يجب أن تتغير النظرة إلى العقبة؛ من ميناء يستقبل السفن ويناول البضائع إلى منصة لوجستية وطنية متكاملة تبني حول حركة التجارة اقتصادًا يمتد إلى مختلف القطاعات.
لكن الجغرافيا، مهما كانت مميزة، لا تمنحنا الأفضلية تلقائيًا. الأفضلية يصنعها الأداء: سرعة المناولة والتخليص، كلفة النقل، كفاءة الإجراءات، وسهولة ممارسة الأعمال، إضافة إلى توافر المستودعات وساحات التخزين والمناطق اللوجستية قبل وقوع الضغط، لا بعده.
وهنا علينا أن نسأل بوضوح: هل بنيتنا اللوجستية خارج أسوار الموانئ تتطور بالسرعة ذاتها التي تتطور بها حركة المناولة؟
فلا يمكن الحديث عن مستقبل العقبة دون حسم ملف الربط السككي، الذي لم يعد مشروعًا تكميليًا قابلًا للتأجيل، إلى جانب تطوير شبكة الطرق الخارجية. فالطريق الصحراوي لا ينبغي أن يبقى الخيار شبه الوحيد للنقل الثقيل، ومن الضروري تطوير طريق وادي عربة ليصبح طريقًا رديفًا حديثًا يرفع قدرة منظومة النقل ويمنحها المرونة المطلوبة.
إذا كنا نتوقع المزيد من التجارة، فعلينا أن نعرف منذ الآن: أين ستخزن البضائع؟ وكيف ستنقل؟ وبأي كلفة؟ لا أن ننتظر وصول السفن ثم نبحث عن الساحات والطرق والحلول المؤقتة بعقلية «الفزعة».
والمنافسة المقبلة لن تكون على الأرصفة والرافعات وحدها، بل على الوقت والبيانات والتكنولوجيا. فالميناء الحديث منظومة رقمية مترابطة تجمع الموانئ والجمارك والخطوط الملاحية والنقل والتخليص والمستودعات، ويصبح فيها الذكاء الاصطناعي أداة للتنبؤ بالحركة والازدحام وإدارة الشاحنات والمخزون ورفع كفاءة سلاسل التوريد.
وفي قلب هذه المنظومة يبقى الإنسان. فالعقبة تحتاج إلى جيل أردني متخصص في اللوجستيات وإدارة الموانئ والنقل البحري وتحليل البيانات والتكنولوجيا، ليس لخلق وظائف إضافية فقط، بل لبناء خبرة أردنية نوعية قابلة للتصدير إلى المنطقة.
العقبة اليوم أمام فرصة استراتيجية قد لا تتكرر بالشكل ذاته، لكن الفرص لا تنتظر من يتعامل معها بعد وقوعها. المطلوب الانتقال من إدارة الأزمة إلى استباقها، ومن الحديث عن الموقع الاستراتيجي إلى صناعة الميزة التنافسية.
فالموقع الذي لا يتحول إلى قيمة يبقى مجرد نقطة على الخريطة، أما العقبة فتمتلك فرصة حقيقية لتكون بوابة الأردن إلى البحر، وقلبه اللوجستي نحو المستقبل.