د. أحمد عبدالله النصيرات : حين تتحول الأعوام إلى حكمة
هناك معرفة لا تختصر في كتاب، ولا تلتقط من شاشة، ولا تأتي في لحظة واحدة، معرفة تحتاج إلى سنوات طويلة من التعلم والممارسة والخطأ والمحاولة حتى تستقر في الإنسان وتتحول إلى بصيرة. وهذه بالضبط هي الثروة التي يحملها كبار المواطنين، ثروة صنعتها الأيام، وصقلتها التجارب، ورسختها الحياة.
فهم جيل لم تأته المعرفة جاهزة، ولم تكن المعلومة في متناول يده بكبسة زر، بل كان الوصول إليها رحلة تستحق العناء. كان الكتاب الذي يبحثون عنه قد يكون في مكتبة بعيدة، والوصول إلى أستاذ ينهلون من علمه قد يتطلب سفراً إلى مدينة أخرى.
وربما قطعوا المسافات بحثاً عن معلومة أو إجابة أو فرصة للتعلم. تتلمذوا على أيدي الأساتذة والخبراء، وأنصتوا إليهم، وقرأوا وبحثوا وسألوا، ثم حملوا ما تعلموه إلى ميادين الحياة، فاختبروا المعرفة بالممارسة، وصقلوها بالتجربة، وأعادوا المحاولة كلما أخطأوا.
ولهذا لم تكن خبرتهم حصيلة معلومات متفرقة، بل ثمرة رحلة طويلة من التعلم والمثابرة، تراكمت فيها السنوات حتى تحولت المعرفة إلى بصيرة، والتجربة إلى حكمة.
وهم أيضاً جيل عاش تحولات هائلة لم تحدث دفعة واحدة، بل رافقها خطوة بخطوة، انتقل من الهاتف الثابت والرسائل الورقية إلى الهواتف الذكية والتواصل الفوري.
ومن البحث في الكتب والمكتبات إلى عالم تفيض فيه المعلومات في كل لحظة. شهد تغير الأدوات والوسائل، وتبدل أنماط الحياة والعمل والتواصل، وتعلم كيف يستوعب الجديد ويتكيف معه من دون أن يفقد ما اكتسبه من قيم وخبرة.
ولعل هذه الرحلة بين زمنين هي إحدى أثمن ما يملكونه اليوم، لأنها منحتهم فهماً للحياة لا يأتي من المعلومات وحدها، بل من المعايشة وطول التجربة.
فلكل مرحلة من العمر جمالها الذي لا يشبه غيره. وفي التقدم في السن متسع لأشياء ربما حالت مسؤوليات الحياة دونها، لقراءة كتاب طال انتظاره، أو تأليف كتاب، أو السفر، أو ممارسة هواية مؤجلة، أو الاستمتاع بإجازة هادئة، أو قضاء وقت أطول مع الأبناء والأحفاد.
والأجمل أن تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لمنح الآخرين شيئاً من حصيلة العمر، حين يضع الإنسان خلاصة ما تعلمه وخبره بين أيدي من يحتاج إليها.
كبار المواطنين ليسوا صفحة من الماضي، بل هم جزء أصيل من حاضرنا وأساس مهم لمستقبلنا. فما نعيشه اليوم من إنجازات ومكتسبات هو في جانب كبير منه ثمرة ما بذلوه من عمل، وما راكموه من علم، وما خاضوه من تجارب.
وفي ذاكرتهم وخبراتهم معرفة لا توفرها الكتب ولا تختصرها التكنولوجيا. ومن الحكمة أن نحسن الإصغاء إليهم، وأن ننهل من تجاربهم، ونستفيد من دروسهم، وننقل ما راكموه من معرفة إلى الأجيال القادمة، فالأمم العريقة لا تبدأ بناء مستقبلها من الصفر، وإنما تواصل البناء على إرثٍ من المعرفة والخبرة والإنجاز الذي تحقق جيلاً بعد جيل.
ــ البيان