كامل الروضان : زرقاء اليمامة
بعض الحكايات لا تحتاج إلى تعليق طويل؛ يكفي أن تُروى حتى تترك في رأسك سؤالًا لا يغادره.
استوقفتني مؤخرًا حكاية عن رجل انتقل في شبابه من فلسطين إلى الأردن، وكانت والدته، كما يروي، تستغرب رحيله إلى بلدٍ كانت فيه الحمامات خارج البيوت.
قد يكون ذلك تفصيلًا عابرًا من زمن مختلف، ولا يستحق أكثر من ابتسامة؛ فالأوطان لا تُقاس بمكان الحمام، وإنما بما تمنحه للنازح والملهوف من فرصة وكرامة ومكان وأمن وأمان.
لكن الحكاية الأخرى هي التي جعلتني أتوقف.
يُقال إن صاحبنا رأى طيارًا إسرائيليًا في السماء، ولم يكتفِ برؤية الطائرة أو الطيار، بل رأى الطيار يغمز له بعينه!
هنا حضرتني زرقاء اليمامة.
تلك التي جعلها العرب مضرب المثل في حدة البصر، لأنها كانت ترى ما لا تراه العيون.
لكن يبدو أن الرواية التي أمامنا تفتح بابًا جديدًا في علم الرؤية.
فالطائرة تُرى، والطيار قد يُرى، أما أن تصل العين من الأرض إلى وجه طيار في السماء، ثم تلتقط من عينه غمزة عابرة، فهذه ليست حدة بصر فحسب؛ هذه عين لا تعترف بالمسافات.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
وكيف مرّ صاحب هذه العين في سنوات طويلة من العمل العام، ووصل إلى مواقع متقدمة في الدولة، دون أن تكتشفه أيٌّ من عيون الدولة؟ ما هذه القدرة الاستثنائية التي كانت عند هذا الشخص، والتي جعلته يرى ما لم تره كل تلك العيون من حوله؟
فقد كنت أظن أن لكل عين حدودًا، وأن لكل مسافة نهاية، فإذا بي أمام عين تستطيع أن ترى غمزة من السماء.
ولهذا، يا زرقاء اليمامة، يبدو أن المنافسة أصبحت صعبة!
ويبقى أجمل ما في الحكاية أن نعود إلى بدايتها.
لو كان يريد أن يكتب لوالدته اليوم، لربما قال لها:
«يا أمي، لا تقلقي. البلد الذي استغربتِ يومًا أن تكون حماماته خارج البيوت، هو البلد نفسه الذي وجدتُ فيه ما لم أجده في مسقط رأسي. وجدتُ فيه الفرصة، ووجدتُ الطريق إلى مواقع لم أكن لأصل إليها في بلدي. وربما لو بقيتُ حيث كنتِ تريدين، لما كانت لي كل هذه الحكاية التي أرويها اليوم.»
وهنا تكتمل المفارقة.
فليس المهم أين كانت الحمامات خارج البيوت، ولا كيف كانت البدايات…
المهم أين كانت الأبواب مفتوحة أمام النازح والملهوف.
أما الأردن، فلا يحتاج إلى دفاع، ولا إلى شهادة من أحد. فتاريخ البلدان لا يُقاس بحكاية عابرة، وإنما بما فتحته من أبواب أمام من طرقها