السفير ماهر لوكاشة : أزمة المرور في عمّان .. المشكلة ليست في عدد السيارات وحده
لا أختلف مع ما ذكره مدير عمليات المرور في أمانة عمّان من أن النمو السكاني، والتوسع العمراني، وازدياد أعداد المركبات، وتمركز الأنشطة الاقتصادية في العاصمة، كلها عوامل تؤدي بطبيعتها إلى ارتفاع الكثافة المرورية. فهذه حقائق يعرفها كل متخصص في هندسة النقل.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ازدادت السيارات؟
السؤال هو: هل استُثمرت البنية التحتية الحالية بأقصى كفاءة ممكنة؟
هذا هو المعيار الذي تقيس به المدن المتقدمة نجاحها في إدارة المرور.
في علم هندسة النقل، لا تُقاس كفاءة المدينة بطول الطرق أو بعدد الجسور والأنفاق، وإنما بما يسمى الطاقة الاستيعابية الفعلية للشبكة المرورية. فالإدارة الجيدة للطريق قد ترفع قدرته على استيعاب المركبات من دون إنشاء طريق جديد، بينما قد تؤدي إدارة ضعيفة إلى فقدان جزء كبير من سعة شارع قائم أصلاً.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الأولويات في عمّان يجب أن تبدأ من الأساس، لا من الحلول الثانوية.
أولاً، لا يمكن الحديث عن إدارة مرورية حديثة بينما ما زالت بعض الشوارع تعاني من الحفر، والهبوطات، ومناهل الخدمات غير المستوية مع سطح الطريق. هذه ليست مشكلة إنشائية فحسب، بل مشكلة مرورية أيضاً. فعندما يخفف السائق سرعته بصورة مفاجئة لتجنب حفرة أو غطاء منهل مرتفع، تنتقل موجة التباطؤ إلى عشرات المركبات خلفه، وقد تتكون أزمة مرورية من دون وقوع حادث أو وجود إغلاق فعلي للطريق.
لذلك يجب أن تكون صيانة الطرق والمناهل عملاً دائماً وسريعاً، وأن تُحدد مدد واضحة للإصلاح، مع مساءلة الجهة المتأخرة عن التنفيذ. ولا يكفي ترقيع الشارع بصورة مؤقتة، ثم العودة إليه بعد أسابيع لمعالجة المشكلة ذاتها.
ثانياً، يجب أن تخضع المحاور الرئيسة لبرنامج دائم لإعادة تخطيط المسارب الأرضية وصيانة الدهانات والأسهم الإرشادية، وإعادة تصميم التقاطعات التي ثبت ضعفها. فخطوط المسارب ليست عملاً تجميلياً، بل جزء أساسي من إدارة الطريق. وغيابها أو تآكلها يدفع السائقين إلى تغيير مساراتهم بصورة عشوائية، ويزيد الاحتكاك بين المركبات ويرفع احتمال وقوع الحوادث.
ثالثاً، لا يمكن المحافظة على الطاقة الاستيعابية للشوارع إذا سُمح للمركبات بالوقوف على جانبي الطرق الرئيسة والمزدحمة، وخصوصاً خلال ساعات الذروة. فالمركبة المتوقفة في غير مكانها لا تشغل بضعة أمتار فقط، بل قد تعطل مسرباً كاملاً، وتدفع المركبات إلى الاندماج المفاجئ في المسرب المجاور، فتتراجع قدرة الطريق على استيعاب الحركة.
ولهذا يجب منع الوقوف على المحاور الشريانية والرئيسة منعاً حازماً، مع تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء، وتوفير مواقف بديلة في المناطق التجارية متى كان ذلك ممكناً. أما السماح بالوقوف على جانبي شارع مزدحم، ثم محاولة معالجة الاختناق بتعديل الإشارات أو نشر رقباء السير، فهو معالجة للنتيجة وترك للسبب.
رابعاً، لا تنجح الإدارة المرورية إذا تعددت الجهات واختلفت إجراءاتها. المطلوب هو توحيد الجهود بين أمانة عمّان ومديرية الأمن العام، ضمن غرفة عمليات مشتركة ومنظومة إلكترونية واحدة، مع توحيد قواعد الضبط والمخالفة والإزالة.
ويجب كذلك أن تُغلق أبواب الاجتهاد الشخصي والوساطة. فإذا تمكن شخص من إقناع موظف أو رجل سير بالسماح له بالوقوف في موقع ممنوع، فإن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده، بل تشمل أيضاً من تنازل عن تطبيق القانون. هيبة القانون تبدأ من المساواة في التنفيذ، لا من كتابة التعليمات وتعليق اللوحات.
خامساً، يجب إعادة النظر في توقيت الإشارات الضوئية بصورة علمية. فالإشارة لا ينبغي أن تعمل بتوقيت ثابت طوال اليوم، لأن أحجام المرور تتغير بين الصباح والظهيرة والمساء، كما تختلف بين أيام العمل والعطل.
والأهم هو تنسيق الإشارات الواقعة على المحور الواحد وفق نظام الموجة الخضراء، بحيث يتمكن السائق الذي يسير بالسرعة المحددة من المرور عبر عدد من الإشارات المتتالية من دون توقف غير ضروري. فالتوقف المتكرر لا يهدر الوقت فقط، بل يزيد استهلاك الوقود والانبعاثات، ويرفع توتر السائقين ويؤدي إلى تراكم المركبات عند التقاطعات.
وقد استفادت مدن مثل سنغافورة وسيؤول ولندن من أنظمة الإشارات المتكيفة، التي تستجيب للحركة الفعلية وتعدل مدة الضوء الأخضر وفق حجم المركبات واتجاهاتها. ولم تعتمد هذه المدن على التوقيت وحده، بل ربطت الإشارات بالكاميرات وأجهزة الرصد ومراكز التحكم.
سادساً، يجب أن تصبح البيانات هي التي تقود القرار. فلا يكفي القول إن هذا الدوار مزدحم أو إن ذلك الشارع يشهد حركة كثيفة. المطلوب قياسات دقيقة تبين عدد المركبات، وسرعتها، وزمن الانتظار، وساعات الذروة، ونسبة الحوادث، ومواقع التداخل بين المسارات.
وعلى أساس هذه البيانات يمكن تعديل توقيت الإشارات، وتغيير اتجاهات الحركة، ومنع بعض الانعطافات، وإعادة تصميم التقاطعات، واتخاذ قرارات قابلة للقياس والمراجعة.
سابعاً، من الضروري إعادة النظر في أسلوب تنفيذ مشاريع البنية التحتية. فمن غير المقبول فتح عدة مشاريع متزامنة على محاور حيوية متقاربة، أو ترك أعمال الصيانة مفتوحة
من دون برنامج زمني صارم. فكل يوم إضافي من الإغلاق له كلفة اقتصادية واجتماعية، حتى لو لم تظهر هذه الكلفة مباشرة في موازنة المشروع.
ثامناً، لا شك أن تطوير النقل العام هو الأساس لأي استراتيجية طويلة الأمد. لكن المواطن لا يترك سيارته الخاصة استجابة للنصائح، بل عندما يجد وسيلة نقل نظيفة وآمنة ومنتظمة، تصل في الوقت المحدد، وتغطي المسارات التي يحتاجها، وتمنحه شعوراً بالثقة والاحترام.
لقد نجحت سنغافورة في الحد من الازدحام من خلال الجمع بين النقل العام المتطور، والإدارة الذكية، والرقابة الصارمة على استخدام المركبات. واعتمدت لندن رسوماً على دخول المركبات إلى المنطقة المركزية إلى جانب توسيع بدائل النقل العام. أما طوكيو، فتعاملت مع مشكلة الوقوف منذ أصلها، إذ يتطلب امتلاك السيارة في كثير من المناطق إثبات وجود مكان مخصص لوقوفها، بدلاً من اعتبار الشارع العام مرآباً مجانياً دائماً.
كما أن تجارب مدن أوروبية عديدة بينت أن إدارة المرور لا تقوم على توسيع الطرق وحده، بل على توزيع الحركة بين النقل العام والمشي والدراجات والمركبات الخاصة، وربط التخطيط العمراني بمواقع العمل والسكن والخدمات.
ومع ذلك، لا توجد وصفة دولية جاهزة يمكن نقلها إلى عمّان حرفياً. فلكل مدينة طبيعتها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية. وعمّان مدينة جبلية واسعة الامتداد، ويجب أن تصمم حلولها وفق واقعها، لا وفق تقليد مدينة أخرى. لكن المبادئ الأساسية واحدة، وهي جودة البنية التحتية، وحسن تطبيق القانون، وكفاءة الإشارات، والاعتماد على البيانات، وتوفير نقل عام يمكن الوثوق به.
إن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الدراسات ولا بعدد المشاريع التي يُعلن عنها، وإنما بأرقام يلمسها المواطن في حياته اليومية، مثل متوسط زمن الرحلة، وسرعة الحركة على المحاور الرئيسة، ومدة الانتظار عند التقاطعات، وعدد الحوادث، ومستوى الالتزام، ورضا مستخدمي الطريق.
ولا بد هنا من التأكيد أن الازدحام المروري ليس مجرد إزعاج يومي للسائقين، بل عبء اقتصادي حقيقي على المدينة والدولة. فالوقت الذي يقضيه الموظف أو العامل أو صاحب المصلحة عالقاً في الطريق هو وقت ضائع من الإنتاج والعمل. والوقود الذي يُستهلك أثناء التوقف الطويل يمثل كلفة مباشرة على المواطن والاقتصاد الوطني، كما أن تأخر المركبات التجارية ووسائل النقل يرفع كلفة السلع والخدمات.
ويؤدي الازدحام أيضاً إلى زيادة الانبعاثات والتلوث، وارتفاع كلفة صيانة المركبات، وإرهاق السائقين، وتأخر سيارات الإسعاف والدفاع المدني، كما يؤثر في جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة. فالمستثمر لا ينظر إلى التشريعات والحوافز فقط، بل ينظر أيضاً إلى كفاءة الحركة وسهولة الوصول وموثوقية البنية التحتية.
ومن هنا، فإن تحسين إدارة المرور ليس ترفاً خدمياً، بل استثمار اقتصادي واجتماعي وأمني. وكل دقيقة يتم توفيرها في زمن الرحلة تنعكس على إنتاجية الناس، واستهلاك الوقود، وجودة الهواء، وسلامة الطرق، وقدرة المدينة على النمو.
إن عمّان مدينة تستحق منظومة مرورية تضاهي المدن المتقدمة، وهذا ليس حلماً بعيد المنال. فلدينا الكفاءات الهندسية والإدارية القادرة على تحقيقه. المطلوب أن نبدأ
بالأولويات الصحيحة، وأن نطبق القانون بعدالة وحزم، وأن نضع حداً للحلول المؤقتة التي تنقل الأزمة من شارع إلى آخر.
فإدارة المرور ليست مجرد تحريك للمركبات عند حدوث الاختناق، بل علم متكامل لإدارة وقت الناس واقتصاد المدينة ونوعية الحياة فيها.