اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

معتز الرداد : التوجيهات الملكية للاحتفاظ بمخزون من الطاقة والغذاء

معتز الرداد : التوجيهات الملكية للاحتفاظ بمخزون من الطاقة والغذاء
أخبارنا :  

بين استشراف المخاطر وتحويل الاستراتيجية إلى واقع.


تعكس توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة بتعزيز مخزون الطاقة والغذاء فهماً عميقاً لتحولات النظام الدولي، وإدراكاً بأن الأمن الوطني أصبح منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد والطاقة والغذاء إلى جانب الأمن والدفاع، غير أن القيمة الحقيقية لهذه التوجيهات تكمن في قدرتها على التحول إلى سياسات تنفيذية مستدامة، تعتمد على التخطيط العلمي، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والمتابعة المستمرة، فالدول لا تُقاس اليوم بما تمتلكه من خطط واستراتيجيات فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الرؤى إلى واقع ملموس يعزز صمود الدولة ويحمي مصالحها في مواجهة مستقبل يتسم بالتعقيد وعدم اليقين، لذا فبناء مخزون استراتيجي للطاقة والغذاء يمثل أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة القادرة على التكيف مع الأزمات، وضمان استمرارية الخدمات، وحماية أمنها الوطني في مختلف الظروف.


ففي عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه التهديدات، لم يعد الأمن الوطني يقتصر على حماية الحدود أو امتلاك القدرات العسكرية على اهميتها، بل أصبح يشمل القدرة على ضمان استمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية للدولة في أشد الظروف تعقيداً،وهو ما يؤكد وعيا بان أهمية هذه الاستراتيجية تتجاوز بعدها التنفيذي، لتشكل جزءاً من رؤية شاملة لبناء الدولة القادرة على الصمود أمام الأزمات، ولا شك ان هذه التوجيهات تتزامن مع بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب،فالحروب الممتدة في الاقليم والتوترات المتصاعدة في الممرات البحرية، والتهديدات التي تطال سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى التقلبات في أسواق الطاقة والغذاء، جميعها فرضت واقعاً جديداً باتت فيه الدول مطالبة بالانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء القدرة على استباقها.


ان التوجيهات الملكية تحمل العديد من الدلالات الاستراتيجية للتوجيهات ،تعكس بمجملها استشرافا ملكيا لاهمية تبني الدولة لمنهج إدارة المخاطر الاستراتيجية بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل، فالاحتفاظ بمخزون استراتيجي يعني الاعتراف بأن الأزمات ليست احتمالاً بعيداً، وإنما سيناريو يجب الاستعداد له بصورة دائمة،وأن الأمن الاقتصادي أصبح ركناً أساسياً من أركان الأمن الوطني، فالقدرة على توفير الوقود والقمح والمواد الأساسية خلال الأزمات تمثل عاملاً حاسماً في الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع حدوث اضطرابات اقتصادية أو اجتماعية.


التوجيهات الملكية تشكل عمليا تحديا للحكومة في قدرتها على تحويلها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، فالفجوة بين الرؤية والنتائج غالباً لا تنشأ بسبب ضعف الرؤية، وإنما بسبب ضعف منظومة التنفيذ، ولتحويل هذه التوجيهات إلى واقع، لا بد من بناء منظومة متكاملة تتضمن:تحديد حجم المخزون الاستراتيجي المطلوب لكل سلعة وفق نماذج علمية لتقييم المخاطر،توزيع المخزون جغرافياً بما يقلل من مخاطر تعطله في حال وقوع أزمة، إنشاء منظومة رقمية تتابع مستويات المخزون بصورة لحظية، تحديث خطط التوريد والشراء وفق سيناريوهات متعددة، تعزيز الإنتاج المحلي في القطاعات ذات الأولوية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وإجراء تمارين وطنية تحاكي انقطاع الإمدادات واختبار جاهزية المؤسسات.


التجارب الدولية تؤكد أن كثيراً من الاستراتيجيات لا تنجح بسبب ضعف التخطيط، وإنما بسبب غياب منظومة التنفيذ، وتبرز هنا أهمية التحول من إدارة المشروعات إلى قيادة التنفيذ، بحيث تصبح كل جهة حكومية مسؤولة عن نتائج واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مع وجود متابعة دورية ومساءلة مؤسسية، ويتطلب ذلك بناء خارطة طريق تنفيذية تتضمن:أهدافاً استراتيجية محددة، مبادرات تنفيذية ذات أولويات واضحة، مسؤوليات محددة لكل مؤسسة، مؤشرات أداء تقيس التقدم بصورة مستمرة.،مراجعات دورية تسمح بتعديل المسار عند الحاجة، وبهذه الآلية تتحول التوجيهات الملكية من إطار توجيهي إلى منظومة عمل مؤسسي مستدام.



* مستشار إدارة ورقابة مالية






مواضيع قد تهمك