د. حازم قشوع : أمريكا تتغير.. عبدول ميشيغان
د. حازم قشوع
يشهد الحزب الديمقراطي الأمريكي في المرحلة الراهنة تحولات داخلية متسارعة، لم تعد تقتصر على إعادة توزيع الأدوار بين أجنحته التقليدية، بل باتت تمس جوهر توجهاته الفكرية والسياسية. فصعود التيار التقدمي المرتبط بأفكار بيرني ساندرز لم يعد مجرد ظاهرة احتجاجية عابرة، بل تحول إلى مسار مؤثر يسعى إلى إعادة صياغة أولويات الحزب، سواء في الداخل الأمريكي أو في مقاربته للسياسة الخارجية.
وضمن هذا السياق، يبرز اسم عبدول السيد كأحد تجليات هذا التحول، حيث يعكس ترشحه في ولاية ميشيغان حالة التداخل بين البعد الاجتماعي الداخلي والبعد الجيوسياسي الخارجي. فالسيد، القادم من خلفية مهنية في الصحة العامة ومن أصول مهاجرة مصرية، يمثل نموذجًا لقيادات جديدة تسعى إلى الربط بين قضايا العدالة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة ومفاهيم العدالة الدولية في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط. ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن نتائج سياسية أخرى داخل المدن الكبرى، مثل نيويورك، حيث برزت شخصيات محسوبة على التيار التقدمي، من بينها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بما يعكس اتساع قاعدة هذا التيار داخل الحزب.
هذه المؤشرات مجتمعة تدل على أن التغيير لم يعد محصورًا في الخطاب، بل بدأ يأخذ شكلًا مؤسساتيًا داخل بنية الحزب. ومن ناحية أخرى، تشير هذه التطورات إلى تراجع نسبي في تأثير بعض جماعات الضغط التقليدية، وفي مقدمتها «إيباك»، التي لطالما لعبت دورًا محوريًا في توجيه مواقف الحزب تجاه إسرائيل. ففي ضوء تصاعد النقاشات الداخلية، باتت قضايا مثل فلسطين تحظى بحضور أكبر في الخطاب السياسي، ليس فقط كملف خارجي، بل كجزء من منظومة القيم التي يتبناها الجيل الجديد داخل الحزب.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه التحولات بحذر تحليلي، إذ لا تعني بالضرورة حدوث انقلاب جذري وفوري في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، بحكم طبيعة مؤسساتها وتشابك مصالحها، تميل إلى التدرج في التغيير، كما أن مراكز القوة التقليدية لا تزال تحتفظ بنفوذ معتبر داخل دوائر صنع القرار. لكن الموج الأزرق أصبح يشكل دوامات في منظومة العمل السابقة لصالح القيم على حساب النفعية ومنفعة الرأسمالية.
غير أن ما يمكن الجزم به هو أن ثمة إعادة تشكيل جارية في توازنات التأثير داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على مقاربة واشنطن لملفات المنطقة، سواء فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، أو في إدارة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط وقضاياها التي تشكل جوهرها فلسطين، أيقونة الحرية، حيث باتت تشكل قضية خيار مركزي عند معظم الناخبين، حيث يمكن التمايز على أثرها بين «أنسنة المواطنة» و«الأصول العرقية» بشكل أخذ يشكل الجوهر، بل ونقطة تمايز في القضايا المطروحة...
ولعل دلالة هذه التحولات لا تكمن فقط في نتائج الانتخابات
أو صعود أسماء بعينها، بل في الاتجاه العام الذي يشير إلى تنامي دور التيارات التي تربط بين القيم الداخلية والسياسات الخارجية. وفي حال استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد خلال السنوات القادمة مقاربة أمريكية أكثر توازنًا تجاه قضايا الشرق الأوسط، وقد لا يعني ذلك التخلي عن المصالح الاستراتيجية التقليدية، لكن تحولاتها باتت قيد البحث.
واستنادًا لذلك، يمكن القول إن الولايات المتحدة لا تشهد قطيعة مع ماضيها السياسي بقدر ما تعيش مرحلة إعادة تموضع تعكس تغيرات ديمغرافية وفكرية عميقة، وتحولات بين الاستمرارية والتغيير. وإلى أن يتبين ذلك، سيبقى مسار هذه التحولات مرهونًا بقدرة التيارات الصاعدة على ترجمة حضورها الشعبي إلى تأثير مستدام داخل مؤسسات صنع القرار...
ولعل عبدول ميشيغان، إن استطاع انتزاع بطاقة عضوية مجلس الشيوخ، فإنه سيكون أول عضو مسلم وأول عضو من أصول عربية يحصل على مقعد في «السِنت»، وهذا ما سيجعل من حالة مجلس الشيوخ القادمة تحمل عنوان تغير عميق، تلفظ فيه الروابط التاريخية وحوامل الترسبات الثقافية لصالح المواطنة، التي تشكل عقدة بيان لدى الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذي أخذ زمام العنان لتحقيق نقطة تمايز عنوانها: «أمريكا تتغير لصالح أنسنة المواطنة»...
فإن حدث هذا، وهو أمر أصبح واردًا جدًا، فإن المواقف الأردنية التي تقف على أنسنة المواطنة والحلول السلمية ستكون الخيار الأمثل، كما ستكون الأردن المحطة المثلى لتحقيق هذا التمثل، سيما وأن الأردن يقف مع القانون الدولي، ويقف مع الحلول السلمية، كما يقف مع فلسطين التي حملها لتكون أيقونة الحرية.