اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : الحضور المسيحي... رسالةٌ مستمرةٌ وأمانةٌ متجددةٌ

القس سامر عازر : الحضور المسيحي... رسالةٌ مستمرةٌ وأمانةٌ متجددةٌ
أخبارنا :  

القس سامر عازر


ليست الرسالة كلمةً تُقال، ولا تاريخًا يُحتفل به، ولا ذكرى تُستعاد بين الحين والآخر، بل هي حياةٌ تُعاش، وأمانةٌ تُسلَّم من جيلٍ إلى جيل، كما تُسلَّم الشعلة لتبقى متقدةً لا تنطفئ مهما اشتدت الرياح.


فالحضور المسيحي في الأردن وجميع الأراضي المقدسة ليس مجرد امتدادٍ تاريخي، ولا إرثٍ حضاري يُروى، بل هو رسالةٌ مستمرة، وأمانةٌ متجددة، تتوارثها الأجيال لتبقى شاهدةً للحق، وخادمةً للإنسان، وحاملةً لرجاء الإنجيل في كل زمانٍ ومكان. فالكنيسة لا تُقاس بعمر مبانيها، بل بقدرتها على أن تحافظ على أصالة رسالتها، وأن تجدّد وسائلها، وأن تبقى منارةً للإيمان والمحبة والخدمة.


وقد لفت انتباهي المقال القيّم الذي نشره اليوم الأخ والصديق الأب د. رفعت بدر في جريدة الرأي بعنوان: "الوهادنة... مئة عام من الإيمان والعيش المشترك"، والذي تناول مئوية كنيسة مار الياس اللاتينية في خربة الوهادنة. ولم أقرأ في هذا الاحتفال مجرد مرور مئة عام على تأسيس رعية، بل رأيت فيه إعلانًا حيًا عن استمرارية الرسالة، وتجديدًا للعهد بأن ما بدأه الآباء المؤسسون بالإيمان والتضحية، ينبغي أن يواصل الأبناء حمله بالأمانة والرؤية والبصيرة.


فالرسالة المسيحية لم تبدأ بالحجر، ولن تنتهي بالحجر، بل بدأت بالإنسان، وما تزال تتمحور حول الإنسان. لذلك انتشرت الكنيسة حيث وُجد الإنسان، وحملت إليه كلمة الله مقرونةً بخدمة المحبة. فأنشأت المدارس والمستشفيات والمراكز الاجتماعية ودور الرعاية، وأسهمت في بناء الإنسان روحيًا وثقافيًا وفكريًا وتربويًا وصحيًا، مؤمنةً أن الإنسان هو أغلى ما في الوجود، وأن خدمته هي أصدق تعبير عن الإيمان.


لقد كان الحضور المسيحي في الأردن والأرض المقدسة حضورًا أصيلًا ومتجذرًا، لا طارئًا ولا عابرًا. فمنذ فجر المسيحية، وعلى هذه الأرض المقدسة، عاش الأنبياء، وسار الرسل، وجرت أحداث الخلاص. ففي الوهادنة يرتبط المكان بالنبي إيليا، وفي وادي اليابس المجاور تتردد أصداء قصته، وفي المغطس على الضفة الشرقية لنهر الأردن اعتمد السيد المسيح على يد القديس يوحنا المعمدان، فانطلقت رسالة الخلاص إلى العالم أجمع. وما الكنائس والمواقع الأثرية المنتشرة في وطننا إلا صفحاتٌ حجرية تنطق بتاريخ إيمانٍ لم ينقطع، وتشهد على أن هذه الأرض كانت وما تزال أرض الرسالة.


ومن أبلغ الشواهد على هذا الامتداد التاريخي كنيسة مار الياس البيزنطية التي دُشنت سنة ٦٢٢ للميلاد، فهي ليست أثرًا صامتًا، بل شهادةٌ حيّة على حضورٍ مسيحي متواصل عبر القرون، وعلى جذورٍ ضاربة في عمق تاريخ هذه البلاد. فالحجارة هنا تتكلم، والفسيفساء تشهد، والأرض تروي للأجيال أن المسيحية في الأردن ليست ضيفًا، بل شريكًا أصيلًا في صناعة تاريخ الوطن وهويته ورسالة الاعتدال التي يحملها.


غير أن استذكار الماضي، مهما كان مجيدًا، لا يكفي، فالوفاء الحقيقي للماضي يكون ببناء المستقبل. وإذا كان هذا الاحتفال يوثق مئة عام من العطاء، فإن الواجب يدعونا جميعًا إلى أن نرفع أنظارنا نحو المئة سنة القادمة، لنسأل أنفسنا: كيف نحافظ على استمرارية الرسالة في عالمٍ يتغير بسرعة؟ وكيف نبقي أبناءنا متجذرين في أرضهم، ثابتين في إيمانهم، منفتحين على عصرهم، قادرين على مواجهة تحديات الهجرة، والتحولات الثقافية، والأزمات الاقتصادية، والانقسامات الفكرية، دون أن يفقدوا هويتهم أو رجاءهم؟


إن الكنيسة مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تجديد وسائلها دون أن تتخلى عن رسالتها، وأن تقرأ علامات الأزمنة بعين الحكمة والإيمان، وأن تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر؛ في التربية والتعليم، وتمكين الشباب، وتعزيز دور الأسرة، ومواكبة التطور العلمي والتقني، وترسيخ ثقافة الحوار، وخدمة المجتمع، والدفاع عن كرامة الإنسان، ليبقى الإنجيل قوةً فاعلة في الحياة اليومية، لا مجرد كلمات محفوظة في الكتب.


وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن الحضور المسيحي بعدًا وطنيًا لا يقل أهمية عن بعده الكنسي. فكما أكد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين أكثر من مرة، فإن المسيحيين جزءٌ أصيل من ماضي منطقتنا وحاضرها ومستقبلها. وهذه ليست عبارةً بروتوكولية، بل رؤيةٌ وطنية تعكس حقيقة التاريخ والواقع. فالمسيحيون كانوا، وما يزالون، شركاء في بناء الدولة الأردنية الحديثة، وفي نهضتها التعليمية والطبية والثقافية والاقتصادية، وأسهموا بإخلاص في مؤسساتها المدنية والعسكرية، وشاركوا في الدفاع عن الوطن وصون وحدته، جنبًا إلى جنب مع إخوتهم المسلمين، في نموذجٍ فريد للوحدة الوطنية والعيش المشترك.


إن قوة الأردن لم تكن يومًا في تشابه أبنائه، بل في وحدتهم رغم تنوعهم، وفي قدرتهم على تحويل التنوع إلى مصدر غنى وقوة، لا إلى سبب انقسام. ولذلك تبقى رسالة الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، رسالة اعتدال وسلام، وحوار واحترام متبادل، ورسالة دفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ورسالة تؤكد أن المواطنة الصالحة هي الرابط الذي يجمع الجميع تحت راية وطنٍ واحد.


إن استمرارية الرسالة لا تتحقق إلا عندما يجد كل جيل من يحمل الأمانة بصدق وإخلاص. فهي مسؤولية الآباء والأمهات، والكهنة والرهبان، والمعلمين والمربين، والشباب والشابات، وكل من يؤمن أن الإيمان ليس امتيازًا شخصيًا، بل رسالة تُعاش، وخدمة تُقدَّم، ومحبة تُترجم إلى أعمال.


فالكنيسة التي لا تخدم مجتمعها تفقد نبض رسالتها، والإيمان الذي لا يثمر محبةً ورحمةً وعدالةً يبقى ناقصًا. أما الكنيسة التي تستثمر في الإنسان، وترافقه في أفراحه وآلامه، وتفتح له أبواب الرجاء، فهي كنيسة أمينة لرسالتها، قادرة على أن تجدد حضورها في كل عصر، لأن قوة الإنجيل لا تكمن في الماضي الذي نفتخر به، بل في الحاضر الذي نعيشه، والمستقبل الذي نصنعه بإيمانٍ ورجاء.


إن احتفال الوهادنة بمئويتها المجيدة ليس نهاية فصل، بل بداية فصل جديد، يحمل مسؤوليات أكبر ورجاءً أوسع. فالأمانة للماضي تقتضي أن نصنع مستقبلًا يليق بتضحيات الآباء، وأن نسلّم الأجيال القادمة كنيسةً أكثر حضورًا، ووطنًا أكثر قوة، ومجتمعًا أكثر تماسكًا، وإنسانًا أكثر قربًا من الله ومن أخيه الإنسان.


مبارك لكنيسة مار الياس في الوهادنة مئة عام من الإيمان والعطاء، ومبارك لكل من حمل الرسالة عبر الأجيال. ونصلي أن يمنحنا الله جميعًا نعمة أن نبقى أمناء للوديعة التي ائتمننا عليها، ليظل الحضور المسيحي رسالةً مستمرة، وأمانةً متجددة، وشهادةً حيّة للمسيح في خدمة الإنسان والوطن، ويبقى الأردن، كما كان وسيبقى، أرض الرسالة، ووطن العيش المشترك، وواحة الأمن والسلام، ومنارةً للاعتدال، وشاهدًا حيًا على أن المحبة أقوى من كل التحديات، وأن الأمانة هي الجسر الذي تعبر عليه الرسالة من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل.


مواضيع قد تهمك