اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

صالح الراشد : الصمت طريق الحياة وويل لمن سبق عقله زمانه

صالح الراشد : الصمت طريق الحياة وويل لمن سبق عقله زمانه
أخبارنا :  

صالح الراشد


عندما يكون الجميع نياماً تستيقظ عقول الحكماء ويطلقون العنان لفكرهم في القادم والمخاطر التي يحملها وآليات تجاوزها، وتحلل عقولهم الواقع بربطه بالماضي والمستقبل فتستلهم عقول هؤلاء الرؤية الواضحة لمعرفة ما يعجز مدعوا المعرفة عن الوصول إليه، وحين يقدم الكثيرون العبث على المعرفة يشرق نور العقلاء فيعتقد الجهلاء أن هذا النور يحولهم لسراب، فيسارعون لإطفاء هذا النور بدلاً من استغلاله لرؤية الصور الحقيقية للأشياء والانتفاض انتصارًا لحاضرهم ومستقبل أبنائهم، لنجد أن الشعوب حاكمت وقتلت غالبية من سبق فكرهم عصرهم كون المعرفة التي تتعارض من نظام قيادة القطيع تعني الصحوة، وتحول الحملان إلى أسود وحينها تسود الحكمة والمعرفة والعدالة، وهذه أمور لا تخدم المستبدين وعبيدهم المستفيدين من فتات الاستبداد.


وتكتمل مصيبة الحكماء إذا تعارض فكرهم ورؤيتهم مع خطط الحكومات حيث يكون مصيرهم الموت كأرحم الحلول، كون فكر الحكماء يسبق أفكار الحكومات ويتقدمهم سنوات طوال، وبالذات في حال سوء فهم السلطة لهم ليواجهوا المفكرين بالرفض والسخرية وصولاً للعزلة والاضطهاد ثم صناعة مجتمع مقاوم للأفكاره الجديدة التي تنال الاعتراف بعد سنوات أو قرون، كون الحقائق تمر بثلاث بمراحل السخرية ثم تُقاوَم بالعنف، وفي النهاية يتم تقبلها على أنها حقائق بديهية، ليتم إعدام سقراط بتهم إفساد الشباب وعدم احترام آلهة المدينة، ووضع جاليليو تحت الاقامة الجبرية في منزله حتى مات حين قال ان الأرض تدور حول الشمس، ومات إغناتس زيميلويس قبل أن يقتنع زملاءه بأن غسل اليدين يقلل وفيات الأمهات بعد الولادة.


وعانى نيكولا تسلا من التهميش المالي وفقد كثيرًا من الدعم، بينما أصبحت أفكاره في الكهرباء والتيار المتناوب أساسًا للعالم الحديث وعلى طريقه سار غريغور مندل، الذي لم يُدرك المجتمع العلمي أهمية أبحاثه في الوراثة إلا بعد وفاته، وعربياً قتل ابن المقفع في ظروف قاسية بعد أن دعا إلى إصلاح الإدارة والحكم، وانتقد بعض الممارسات السياسية،، لتلعب الدوافع السياسية دورًا كبيرًا في ذلك، ومن العرب أعدم الحسين بن منصور الحلاج في بغداد بعد محاكمة طويلة بسبب أفكاره الصوفية الجريئة، ونفي ابن رشد وأحرقت كتبه بعد أن دافع عن الفلسفة والعقل ثم أعيد إليه اعتباره لاحقًا، وأثرت مؤلفاته في أوروبا تأثيرًا كبيرًا، والقاسم المشترك بين هؤلاء ليس أنهم كانوا دائمًا على صواب في كل شيء، بل أن بعض أفكارهم واجهت رفضًا شديدًا في زمانهم كونها تؤثر على المنظومات السياسية، ليتم تغير تقييمها لاحقًا مع تراكم الأدلة أو تغير الظروف الاجتماعية والسياسية، ولم يدرك هؤلاء أن الخطر كان بأنهم كانوا على حق حين كانت الحكومات على خطأ، لأن السلطة تمتلك أدوات القوة والنفوذ، وبالتالي ليس بالضرورة أن تنتصر الحقيقة فورًا.


لقد صنعت الشعوب الطغاة بصمتها وخوفها من سيف الجلاد، مما أنتج حكومات ترفض الرأي الآخر حتى لو علمت أنها مُخطئة كونها تمتلك أدوات القوة والنفوذ ولا يوجد لها يد أو قدم تكسرها حقائق الحكماء، ليلحأ العديد من حملة مشاعل الفكر إلى العزلة واعتبروها وسيلة ضرورية لتطوير الفكر والاستقلال بعيداً عن آراء الآخرين، مؤثرين الابتعاد عن ضجيج المجتمع حتى يسمعوا صوتهم الداخلي بدلاً من أن يعيشوا وفق ما تفرضه الجماعة، بالابتعاد عن عقلية القطيع لضمان عدم التعرض لضغط الرأي العام وحالياً ضغط وسائل التواصل التي ترفع من قيمة الجهلاء وتقهر الحكماء، لذا وعلى الرغم من قساوة العزلة فقد وجدوا السكينة فيها، كونهم لن يجدوها وسط زحام الفكر المحكوم بسلطة القهر والقوة، لذا على العقلاء الحذر من نشر عقلانيتهم والحكماء والفلاسفة من نشر أفكارهم لأنهم سيصبحون أعداء الشعوب والحكومات والعوام، وليلتزموا الصمت ويكتبوا نتاج فكرهم بحبر سري كون الحفاظ على الاسرار يمنحهم الحياة.


آخر الكلام:


قال ويليام شكسبير: "حشد العقلاء أمر معقد للغاية أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راعٍ وكلب"، ولو كان شكسبير بيننا اليوم لأضاف "أن حشد القطيع وجهلاء العقلاء يحتاج للمال"، وقال الكاتب الأمريكي تشارلز بوكوفسكي: " الحزن سببه الذكاء، وكلما زاد فهمك لأشياء معينة كلما تمنيت لو لم تفهمها"، وقال المحلل النفسي السويسري كارل يونغ: " يصبح المرء وحيداً، إذا كان يعرف أكثر من الآخرين".


مواضيع قد تهمك