اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

احمد عوض : تحول بنيوي في إدارة أمن الطاقة العالمي

احمد عوض : تحول بنيوي في إدارة أمن الطاقة العالمي
أخبارنا :  

تكشف الاضطرابات المتلاحقة في أسواق الطاقة والممرات البحرية أن العالم يشهد تغيراً بنيوياً في طريقة إدارة ملف أمن الطاقة. فالنموذج الذي ساد خلال العقود الماضية، والقائم على وفرة الإمدادات، وانسياب التجارة الدولية، والاعتماد على الأسواق الفورية لمعالجة أي نقص طارئ، لم يعد ملائماً لبيئة تتزايد فيها الحروب والعقوبات وتعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

 

في النموذج السابق، كانت مشكلة الطاقة تُقرأ أساساً من خلال الأسعار. فإذا ارتفعت أسعار النفط، تلجأ الحكومات إلى معالجتها من خلال سياسات مالية محلية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. أما اليوم، فقد أصبح السؤال الأساسي يتجاوز مقدار الزيادة في سعر البرميل إلى قدرة الدولة على ضمان وصول الإمدادات، واستمرار عمل القطاعات الحيوية، وتوفير المشتقات المناسبة في الوقت والمكان المطلوبين.

ويتمثل أول ملامح التحول في الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على سوق النفط الفوري، إلى بناء مخزونات إستراتيجية وتشغيلية أكبر. لم يعد الاحتفاظ بالمخزون يُنظر إليه كتكلفة خاملة، بل كتأمين ضد الانقطاعات المفاجئة. كما توسع مفهوم المخزون من النفط الخام إلى الديزل والبنزين ووقود الطائرات وغاز الطهي، لأن امتلاك الخام لا يضمن توفر الوقود الجاهز إذا كانت قدرات التكرير محدودة أو متوقفة.

أما التحول الثاني، فيتمثل في إعادة تعريف التنويع. فلم يعد تنويع الموردين وحده كافياً، بل أصبح المطلوب تنويع الموردين والموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البحرية ووسائل النقل في آن واحد. فقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن الدولة قد تشتري النفط من عدة منتجين، لكنها تظل معرّضة للخطر إذا كانت جميع الإمدادات تمر عبر ممر واحد أو تصل إلى ميناء واحد.

ويظهر التحول الثالث في الانتقال من العقود القصيرة والأسواق الفورية إلى عقود أطول وشراكات تخزين وترتيبات توريد أكثر استقراراً. ويسمح ذلك للدول والشركات بتقليل تعرضها للتقلبات الحادة، لكنه يرفع في المقابل كلفة المرونة، لأن الاحتفاظ بطاقة احتياطية ومخزونات أكبر ومسارات بديلة يحتاج إلى استثمارات وتمويل طويل الأجل.

كما أصبح أمن الطاقة جزءاً من السياسة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ملفاً فنياً وماليا منفصلاً. فاضطراب الإمدادات يرفع تكاليف النقل والغذاء والكهرباء والإنتاج، ويضغط على المالية العامة وأسعار العملات المحلية والفئات منخفضة الدخل. ولذلك تتجه السياسات تدريجياً من الدعم الشامل للأسعار إلى حماية موجهة للأسر والقطاعات الأكثر تضرراً، بالتوازي مع إدارة الطلب وترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة الطاقة.

غير أن التحول الأعمق يتمثل في إدراك أن تخزين مزيد من النفط لا يقدم حلاً دائماً؛ فكل مخزون قابل للنفاد، وكل طريق بديل معرض للتعطل. ومن هنا، لم تعد الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والنقل العام وكهربة وسائل النقل مجرد سياسات بيئية مساندة، بل أصبحت ركائز أساسية في مفهوم أمن الطاقة، ضمن توجه واضح لزيادة الاعتماد على المصادر المتجددة تدريجياً على حساب مصادر الطاقة التقليدية، بما يقلل الانكشاف على تقلبات أسواق النفط ومخاطر تعطل الإمدادات.

وعليه، ينتقل العالم من نموذج يقوم على السوق المفتوحة والمخزون المحدود والاعتماد الواسع على الوقود الأحفوري، إلى نموذج يقوم على المرونة والجاهزية وتعدد الخيارات وتنويع مزيج الطاقة. وسيصبح أمن الطاقة مستقبلاً أقل ارتباطاً بعدد البراميل المتاحة، وأكثر ارتباطاً بقدرة الاقتصادات على خفض اعتمادها على الطاقة التقليدية، وتوسيع مساهمة الطاقة المتجددة، ومواصلة العمل حتى عند تعطل الإمدادات أو ارتفاع تكلفتها.


مواضيع قد تهمك