د. حازم قشوع : سلطان حطاب في ذمة الله
عندما تُذكر الكلمة يُذكر فارسها، وعندما يُستحضر المعنى يُعرف سلطانها، وعندما يُستدعى الأدب المعرفي والثقافة الوطنية تتجلّى مرجعياتها؛ وهنا يبرز اسم سلطان حطاب، الذي جعل من الكلمة جسراً يعبر المعنى إلى الناس بوضوح وصدق. لقد كان، رحمه الله، أحد أبرز الكتّاب الأردنيين، كما كان من أهم مقدّمي البرامج الإعلامية السياسية، حتى غدا أيقونة في الصحافة الأردنية.
لم يمارس سلطان حطاب طيلة حياته إلا الإعلام بكل وجوهه؛ فكان الكاتب، ورئيس التحرير، ومقدّم البرامج التلفزيونية والإذاعية، والمؤرخ واسع الاطلاع على الثقافة الوطنية وأصول التاريخ السياسي وأدبياته. وقد انعكس ذلك في مكتبته الغنية التي ازدحمت بمؤلفاته عن المدن الأردنية ومعظم المدن الفلسطينية وبعض المدن العربية، متناولاً فيها تاريخ المكان وسيرته وجغرافيته، كما تناول القضية الفلسطينية بكل مسيرتها وسيرة قادتها، التي ناضل من أجلها بالقلم والموقف معاً، فاستحق أن يجمع بين التقدير الأردني والفلسطيني في آن واحد.
سلطان… أو "كاتب السلطان” كما كان يصفه صديقه عبد الحي المجالي، لم يكن مجرد حالة إعلامية، بل شكّل ظاهرة اجتماعية أيضاً؛ ليس فقط بجذوره الأذرية التي عمّقت اهتمامه بتاريخ مجتمعات آسيا الوسطى، ولا بكثرة أسفاره التي جاب فيها معظم دول العالم، بل بزاوية النظر التي كان يرسّخها عند قراءة المشهد، وبالرؤية المتصالحة مع إنسانيته. وقد كان يقول لي دائماً: "أنا مع إنسنة المواطنة يا أبو يوسف”، مؤمناً بأنها التعبير الحقيقي عن معنى السلام. فالسلام على روحك الطاهرة النقية يا أبا تمام.
وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً، كان سلطان حطاب ينظّم لقاءات الصالون السياسي في منزلي، مستهلاً كل لقاء بعبارة تؤسس لمحاور النقاش وإدارة الحوار، مؤمناً بضرورة الانفتاح على الآخر، ومنطلقاً من إيمانه العميق بالتعددية التي تُثري المشهد السياسي وتعزّز قناعات الجميع باحترام الرأي المختلف. وهكذا كان الصالون مساحةً جامعة، تحتضن التنوع ضمن مرجعية وطنية راسخة، تحترم الحقيقة وتستند إلى الواقعية السياسية القائمة على الحجة والبيّنة.
وأذكر موقفاً لا يغيب عن الذاكرة، في إحدى أمسيات الصالون السياسي في عمّان مطلع الألفية، حين تأخر أحد الضيوف، وقد كان حبنها الرئيس العراقي اياد علاوي فالتفت إليّ سلطان بابتسامته الهادئة وقال: "لا تقلق… الكلمة الصادقة تعرف طريقها ولو تأخرت”. يومها لم يكن يهدّئ الموقف فحسب، بل كان يرسّخ معنى عميقاً في إدارة الحوار واحترام الزمن السياسي للكلمة. وبعد انتهاء اللقاء، بقي معنا حتى ساعة متأخرة من الليل، يناقش ويستمع ويصغي لكل رأي، دون أن يعلو صوته أو يفرض رأيه، وكأنّه كان يرى في كل فكرة فرصةً لإغناء الحقيقة لا لمنافستها. تلك اللحظات كانت تختصر إنسانيته؛ تواضعه، وصبره، وإيمانه بأن الحوار ليس ساحة غلبة، بل مساحة بناء، فاستحق بذلك ثناء الجميع واحترام كل من عرفه.
رحم الله سلطان حطاب، الذي ترك أثراً لا يُمحى في الكلمة والمعنى، وفي الوعي الوطني الذي عاش له وكتب من أجله.