اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. سعيد جبر أبو خضر : سرديّة جامعة آل البيت... سيرة وطن في مؤسسة

أ. د. سعيد جبر أبو خضر : سرديّة جامعة آل البيت... سيرة وطن في مؤسسة
أخبارنا :  

الأستاذ الدكتور سعيد جبر أبو خضر- عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية


تُعرف الدول الراسخة بمؤسساتها، وتُعرف المؤسسات الراسخة بقدرتها على أن تختصر سيرة الوطن في رسالتها، وفي منظومة القيم التي تقوم عليها، وفي الإنسان الذي تصنعه قبل أن تصنع الإنجاز. وإذا كانت ثمة مؤسسة أكاديمية أردنية يمكن أن تُقرأ بوصفها سيرةً للوطن، فإن جامعة آل البيت تقدم أنموذجا جديرا بالتأمل؛ فهي ليست مجرد جامعة أُنشئت في بقعة جغرافية من الوطن، وإنما مشروع دولة، وتجسيد لفلسفة أردنية راسخة في بناء الإنسان، وإدارة التنوع، وصناعة المؤسسة الوطنية.

فالحديث عن جامعة آل البيت لا ينبغي أن يُختزل في حدود المكان الذي تحتضنه، ولا في أسماء من تعاقبوا على إدارتها، بل في الفكرة الكبرى التي قامت عليها منذ تأسيسها. فالجامعات الوطنية لا تُقاس بجغرافيتها، وإنما باتساع رسالتها، ولا تُعرَّف بالمكان الذي تستقر فيه، وإنما بالوطن الذي تخدمه، وبالعقول التي تجتمع فيها، وبالقيم التي تترسخ في وجدانها.

بصدور الإرادة الملكية السامية عام 1992م، في عهد المغفور له - بإذن الله - جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، رأت جامعة آل البيت النور، لتبدأ مسيرتها الأكاديمية عام 1994م، حاملةً رسالة تتجاوز حدود التعليم التقليدي، ومستندة إلى رؤية حضارية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء الوطني والانفتاح على العالم. ولم يكن اختيار محافظة المفرق مقرّا لهذه الجامعة اختيارا جغرافيا فحسب، بل كان تعبيرا عن فلسفة الدولة في تحقيق التنمية المتوازنة، وتعزيز حضور مؤسساتها في مختلف أرجاء الوطن، وترسيخ مبدأ أن التنمية حق لكل محافظة، وأن المؤسسة الوطنية متى استقرت في مدينة، فإنها تمنحها حضورا، وتمنح الوطن من خلالها فضاءً جديدا للإبداع والعطاء.

ومن الإنصاف أن يُقال إن المفرق كانت أهلًا لهذه الرسالة، فهي المدينة التي لم تعرف الانغلاق يومًا، بل عُرفت عبر تاريخها بوصفها بوابة الأردن الشرقية، وملتقى للطرق، وموطنا للتنوع، وأنموذجا للتعايش بين مكونات المجتمع الأردني. ولذلك احتضنت الجامعة كما تحتضن الأرض الطيبة غرسها، ووجدت فيها الجامعة بيئةً وطنية صادقة، أسهم أهلها في نجاحها، وشاركوا في مسيرتها، وفتحوا لها أبواب المدينة وقبل ذلك أبواب القلوب.

وإنّ أعظم ما يمكن أن تفخر به المدن لا يتمثل في احتضان مؤسسة كبيرة في ربوعها فحسب، وإنما أن تحتضن مؤسسة تصبح ملكًا للوطن كله. وهذا ما حققته جامعة آل البيت؛ فهي وإن استقرت في المفرق، فإنها لم تكن يوما جامعةً للمفرق وحدها، كما لم تكن جامعةً لإقليم دون آخر، بل غدت منذ تأسيسها جامعةً لكل الأردنيين، يقصدها الطلبة من مختلف المحافظات، ويعمل فيها أكاديميون وإداريون يمثلون مدارس علمية وتجارب مهنية متنوعة، فتلتقي في رحابها خبرات الشمال والوسط والجنوب، كما تلتقي فيها البيئات الحضرية والريفية والبدوية في مشهد يعكس أجمل صور الوحدة الوطنية.

وهنا تتجلى إحدى أعمق القيم التي قامت عليها الدولة الأردنية منذ تأسيسها؛ فالمؤسسات الوطنية لا تُبنى بمنطق الجغرافيا، وإنما بمنطق الرسالة، ولا تنهض بالمحاصصة، وإنما بالكفاءة، ولا تستمد شرعيتها من حدود المكان، وإنما من قدرتها على خدمة الوطن بأكمله. ولذلك، ظل الإنسان الأردني هو محور البناء، وظلت الكفاءة هي المعيار الذي تستند إليه الدولة في إسناد المسؤوليات، لأن قوة المؤسسة لا تُقاس بعدد المنتمين إلى منطقة بعينها، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على التفكير، وخبرات قادرة على الإنجاز، وإرادات تؤمن بأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية.

ومن يتأمل البنية البشرية لجامعة آل البيت اليوم، لا يرى مجرد قوائم من الأسماء أو الوظائف، وإنما يرى لوحة وطنية متكاملة، تتجاور فيها الخبرات، وتتلاقى فيها المدارس العلمية، وتتآلف فيها التجارب القادمة من مختلف محافظات المملكة، لتشكل معًا بيئة أكاديمية تؤمن بأن الاختلاف في البيئات مصدر ثراء، وأن وحدة الهدف أسمى من اختلاف المنابت. وهذه ليست حالة استثنائية فرضتها ظروف مرحلية، بل هي الامتداد الطبيعي للفلسفة التي وُلدت الجامعة في ظلها، والتي أرادت لها أن تكون صورة مصغرة للوطن الأردني بكل تنوعه وتكامله.

إن الجامعة، في جوهرها، ليست مبنى من الحجر، وإنما بناءٌ من البشر. وحين تنجح مؤسسة أكاديمية في أن تجمع الكفاءات الأردنية تحت سقف واحد، فإنها لا تصنع بيئة علمية فحسب، بل تصنع ثقافة وطنية، يتعلم فيها الطالب، قبل أن يتلقى المعرفة، أن الأردن يتسع للجميع، وأن اختلاف البيئات لا يفرق، بل يغني، وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه لوطنه، لا في الجهة التي جاء منها.


لم يكن هذا المشهد الوطني الذي تعيشه جامعة آل البيت اليوم وليد مرحلة عابرة، ولا ثمرة اجتهاد إدارة دون أخرى، بل هو نهجٌ مؤسسي ترسخ مع الجامعة منذ ولادتها، واستمر مع تعاقب القيادات التي تشرفت بحمل أمانة إدارتها. وهذه الحقيقة تستحق التأمل؛ لأنها تكشف أن المؤسسات الراسخة لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، وإنما بالمبادئ التي تتوارثها الأجيال، وتحفظها القيادات، جيلاً بعد جيل.

فعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، تعاقب على رئاسة جامعة آل البيت عدد من الأكاديميين والقامات الوطنية الذين ينتمون إلى مدارس علمية وتجارب إدارية متعددة، وجاؤوا من محافظات وبيئات أردنية مختلفة، كما هي طبيعة الدولة الأردنية في اختيار قيادات مؤسساتها الوطنية. وقد اختلفت اجتهاداتهم في الإدارة، وتنوعت رؤاهم في التطوير، وهو أمر طبيعي تثري به المؤسسات الحية، إلا أنهم التقوا جميعا عند أصلٍ واحد لم يتغير، هو الإيمان برسالة الجامعة الوطنية، والالتزام بالفلسفة التي قامت عليها منذ تأسيسها.

ولعل في هذا التعاقب المنتظم للقيادات، واختلاف منابتها، ما يؤكد أن جامعة آل البيت لم تكن يوما رهينةً لجغرافيا محددة، ولا أسيرةً لاعتبارات محلية ضيقة، وإنما بقيت وفيةً لاعتبارات أنها مؤسسةً وطنية، تستمد مشروعيتها من الدولة الأردنية، وتستمد قوتها من قدرتها على استقطاب الكفاءات الأردنية حيثما كانت، وإتاحة الفرصة لها للإسهام في حمل رسالتها العلمية والوطنية.

وهذه ليست خصوصية لجامعة آل البيت وحدها، بل هي امتداد لنهج الدولة الأردنية في بناء مؤسساتها. فمن يتأمل تاريخ الدولة الحديثة يلحظ أن الهاشميين رسخوا منذ البدايات مفهومًا عميقًا مفاده أن مؤسسات الوطن ليست ملكًا لمدينة، ولا لمحافظة، ولا لجماعة، وإنما هي ملك لجميع الأردنيين. ولذلك ظل معيار الكفاءة حاضرا في تشكيل القيادات الوطنية، لأن الدولة التي تريد لمؤسساتها أن تدوم لا تبنيها على الولاءات الضيقة، وإنما على الجدارة، والخبرة، والقدرة على الإنجاز.

ومن هنا، فإن استمرارية هذا النهج داخل جامعة آل البيت لم تكن مصادفة، بل كانت تعبيرا عن رسوخ هويتها المؤسسية. فالرؤساء تعاقبوا، والعمداء تبدلوا، ورؤساء الأقسام ومديرو الدوائر تغيروا، كما هو شأن كل مؤسسة حية، لكن البوصلة بقيت واحدة؛ أن تظل الجامعة فضاءً وطنيا رحبا، يجتمع فيه أبناء الأردن جميعا، ويتنافسون في ميدان العلم على أساس الكفاءة، لا على أساس الانتماء المكاني.

ولذلك، فإن قراءة تشكيل الموارد البشرية في الجامعة ينبغي أن تتم من زاوية مختلفة. فالتنوع الذي تشهده في قياداتها، وفي هيئتها التدريسية والإدارية، ليس خروجا على رسالتها، بل هو تجسيد لها. وهو ليس استثناء من نهجها، بل هو أحد أبرز ملامح هذا النهج، لأن الجامعة التي تحمل اسم "آل البيت" تحمل في الوقت نفسه رسالةً تقوم على الجمع لا الإقصاء، وعلى التكامل لا الانغلاق، وعلى الانفتاح على جميع الطاقات الوطنية المؤهلة لخدمة العلم والوطن.

وليس في هذا الفهم ما ينتقص من مكانة أبناء محافظة المفرق، أو يقلل من دورهم التاريخي في الجامعة، بل على العكس من ذلك؛ فقد كانوا، منذ اللحظة الأولى، شركاء في نجاحها، وأسهموا في ترسيخ حضورها، وقدموا لها علماء وإداريين وموظفين وطلبة تركوا بصمات مضيئة في مسيرتها. ومن حقهم أن يفخروا بأن مدينتهم احتضنت هذه المؤسسة الوطنية، كما من حقهم أن يروا فيها نافذةً يطل منها الأردن كله على المفرق، وتطل منها المفرق على الأردن كله.

إن الاعتزاز بالمكان لا يكتمل إلا حين يتحول المكان إلى فضاء للوطن، والمدينة التي تحتضن مؤسسة وطنية كبرى لا تتسع مكانتها حين تنغلق على نفسها، وإنما حين تصبح عنوانًا يلتقي فيه وبه الجميع. وهكذا كانت المفرق مع جامعة آل البيت؛ لم تفقد شيئًا من هويتها، بل ازدادت بها حضورا، لأنها أصبحت مدينةً تستقبل العقول، وتجمع الخبرات، وتقدم نموذجا حيا لوحدة المجتمع الأردني في أبهى صورها.

ولذلك، فإن المحافظة على هذا النهج ليست دفاعًا عن إدارة، ولا انحيازًا إلى أشخاص، وإنما هي حفاظ على إرث مؤسسي تشكل عبر أكثر من ثلاثين عاما، ورسخ مكانة الجامعة بوصفها جامعةً للوطن، لا لجزء منه، ومؤسسةً تعلو فيها قيمة الكفاءة، لأنها الطريق الأصدق إلى العدالة، والأقدر على خدمة الأردن، والأوفى للرسالة التي قامت الجامعة من أجلها.

أرى أن مسيرة جامعة آل البيت لم تكن مرتبطة بمرحلة زمنية محددة أو بإدارة جامعية بعينها، بل قامت منذ تأسيسها على رؤية مؤسسية راسخة جعلت من الجامعة مشروعاً وطنياً ممتداً، تتعاقب عليه الإدارات، وتتجدد فيه الخطط، بينما تبقى الرسالة الكبرى ثابتة: بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وخدمة الوطن. فواصلت الإدارات الجامعية المتعاقبة حمل أمانة المسؤولية، مستندة إلى فلسفة التأسيس وإلى الثوابت الوطنية التي قامت عليها الجامعة، ومجسدة نهج الدولة الأردنية في دعم التعليم العالي، الذي ظلّ ركيزة أساسية من ركائز التنمية الشاملة. وأدركت هذه الإدارات أن المحافظة على هوية الجامعة لا تعني الاكتفاء بما تحقق، وإنما تقتضي التطوير المستمر، والقدرة على الاستجابة للتحولات المتسارعة في مجالات المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.

واتسمت مسيرة الجامعة خلال مراحلها المختلفة بالتراكم والبناء؛ إذ لم تبدأ كل إدارة من نقطة الصفر، بل انطلقت من منجزات من سبقها، وأضافت إليها ما يلائم ظروف المرحلة ومتطلباتها. وهكذا حافظت الجامعة على مسارها بوصفها مؤسسة وطنية حية تتطور مع الزمن، وتوازن بين الوفاء لإرثها العلمي والثقافي وبين الانفتاح على متطلبات المستقبل. وفي هذا السياق، جاءت المرحلة الحالية من مسيرة الجامعة في ظروف اتسمت بتحديات متعددة على المستويات الإدارية والمالية والأكاديمية، فرضت الحاجة إلى رؤية واضحة، ومعالجة فاعلة، وجهد متواصل يهدف إلى تعزيز استقرار المؤسسة وضمان استمراريتها. فقد أدركت إدارة الجامعة الحالية، منذ توليها المسؤولية، أن المحافظة على مكتسبات الجامعة تتطلب البناء على ما أنجزه الرؤساء السابقون، وفي الوقت ذاته المضي نحو التطوير لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.

وعبّر رئيس الجامعة، في أول اجتماع له بعد توليه رئاسة الجامعة في شهر حزيران عام 2023، عن هذا النهج بوضوح، مؤكداً أن المرحلة الجديدة هي امتداد لمسيرة الجامعة وليست قطيعة معها؛ فهي تنطلق من تقدير جهود من سبق، والبناء على ما تحقق، مع الإيمان بأن بقاء المؤسسات الوطنية قوية وفاعلة لا يكون إلا بالتجديد والتطوير المستمر. ومنذ ذلك الحين، تواصل العمل بوتيرة عالية على مختلف الصعد، من خلال متابعة دقيقة للملفات الأكاديمية والإدارية والمالية، وتعزيز كفاءة الأداء، وترسيخ ثقافة العمل المؤسسي، بما يعكس إدراكاً عميقاً بأن الجامعة في حاجة دائمة إلى الحركة والتطوير، وأن التحديات لا تُواجه إلا بالعمل الجاد والرؤية المستقبلية.

وهكذا، فإن ما يميز هذه المرحلة التعامل مع الظروف المحيطة، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز البناء المؤسسي، وتأكيد أن جامعة آل البيت تمتلك من الخبرة، والتراكم، والقدرة ما يؤهلها لمواصلة رسالتها الوطنية. فالمؤسسات الراسخة بقدرتها على تجاوز الصعوبات والتحديات، وتحويلها إلى فرص ودوافع للتقدم والارتقاء.

ومن هنا تتجلى حقيقة أساسية في قصة جامعة آل البيت: أن استمرارية الرسالة ليست نتاج مرحلة واحدة أو جهد فردي، وإنما ثمرة مسيرة متراكمة تتكامل فيها جهود القيادات والعاملين، ويضيف كل جيل لبنة جديدة إلى صرح المؤسسة، وفاءً لتاريخها، واستشرافاً لمستقبلها.



مواضيع قد تهمك