لما جمال العبسة : الإعلام.. السيف المسلط على السرديات
ليس جديداً، ولكنه ليس مكرراً ان نتحدث ونعرض اهمية الإعلام الحديث والدور الذي يلعبه في خلق الوعي، واليوم يتصدر المشهد «الإعلام الرقمي»، الذي لعب دوراً حاسماً في قلب المعادلة، لتتصدر المشهد منصات التواصل الاجتماعي، بينما البودكاست فتح المجال أمام أصوات أكاديمية وصحفية مستقلة لتفكيك السرديات وعلى رأسها السردية الصهيونية، ففي أحدث الأمثلة كان البودكاست الذي قدمته الصحفية البريطانية بيانكا نوبيلو مع أستاذ الدراسات الأمنية أندرياس كريغ الذي قدّم تشريحاً عميقًا للمجتمع الصهيوني، وبيّن كيف تحولت دولة الكيان الصهيوني المزعومة إلى دولة يحكمها العسكر وتفتقر لأي إستراتيجية سياسية، فهذا النوع من النقاشات لم يعد محصوراً في قاعات الجامعات، بل أصبح متاحاً لجمهور عالمي واسع، يشارك ويتفاعل ويعيد إنتاج الرسالة، ويعمّم صورة «الوحش الصهيو- أمريكي» الذي يوسّع عدوانه اليوم ليشمل الحديث عن إيران.
منذ تأسيس الكيان الصهيوني، ظل الإعلام الغربي أداة لتكريس سردية المظلومية اليهودية، مستنداً إلى الهولوكوست كمرجعية أخلاقية تمنحه غطاءً سياسياً وأمنياً، ولعقود طويلة كان الإعلام يبرر حروب هذا الكيان المجرم ويغطي انتهاكاته تحت شعار «حق الدفاع عن النفس»، لكن مع تطور الإعلام الرقمي وانفجار منصات التواصل الاجتماعي، انقلب المشهد رأسًا على عقب، وأصبح الإعلام نفسه سيفاً مسلطاً على السردية الصهيونية، وليس أدل من مأساة قطاع غزة الناجمة عن الحرب الدموية الصهيو- أمريكية عليه، والتي شكّلت نقطة التحول الكبرى في الإعلام بشكل عام، الصور الحية للأطفال تحت الركام، والمجازر التي تُبث لحظة بلحظة، كسرت احتكار الرواية الرسمية، وأظهرت الكيان الصهيوني كقوة دموية تمارس الإبادة بحق المدنيين، ولم يعد بالإمكان تصويره كضحية، بل بات يُرى كجلاد، فيما اتضحت صورة الضحية الحقيقية وهم الفلسطينيون، هذا الانكشاف جعل الإعلام العالمي، خاصة الغربي منه، يواجه تناقضاً صارخاً بين سردية الهولوكوست ومبدأ «حق الدفاع عن النفس» من جانب، وبين مشاهد الدم والدمار في القطاع من جانب آخر.
أما الولايات المتحدة، التي لطالما قدّمت نفسها كحامية القيم الإنسانية، فقد انكشف دورها عبر الإعلام كطرف يسعى لتحقيق السيطرة، دعمها المطلق لإسرائيل لم يعد يُقرأ كـ»حماية للضحية»، بل كجزء من مشروع لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة، ومع اتساع رقعة الحرب لتشمل الحديث عن العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران، بات الإعلام الرقمي يربط بين غزة وطهران، ويكشف أن المشروع واحد وهو فرض الهيمنة عبر العنف، وتكريس الفوضى كأداة للبقاء، فيما باتت الدول الغربية محرجة أمام مواطنيها حتى من الدفاع الفاضح عن الدور القذر الذي يلعبه الجانبان سواء في فلسطين أو في المنطقة.
من هذا المنطلق، يصبح من الضروري أن تدرك الدول المحيطة بالاحداث العسكرية في المنطقة، أهمية الإعلام عموماً والإعلام الحديث خاصة، ومنه «البودكاست» الذي يلقى تفاعلاً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي، فالإعلام لم يعد ترفاً أو مجرد رد فعل، بل هو أداة سيادية، والمطلوب أن يكون الإعلام الأردني الرسمي استباقياً، فلسنا صغاراً لينتقدنا كل من هب ودب، ولسنا لقمةً سائغةً في أفواه من يريد أن يصبح محللاً أو منتقداً.
مرة اخرى نذكر بأن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على السردية، فإذا لم يكن إعلامنا استباقياً، فسوف تُكتب قصتنا بأقلام الآخرين، وتُروى مواقفنا بأصوات لا تفهمنا، الإعلام اليوم هو ساحة الصراع الكبرى، ومن يملك القدرة على صياغة الرواية يملك القدرة على التأثير في الوعي العالمي، لذلك فإن مسؤولية الإعلام الأردني الرسمي أن يتجاوز دائرة رد الفعل، وأن يتبنى خطاباً استباقياً عميقاً، يشرح ويفنّد ويوضح، ويضع الأردن في موقعه الطبيعي كطرف فاعل لا متلقياً، وصانع للرواية لا متأثراً بها.