محمد جودت الرفاعي : صناع المحتوى الأسري
في السنوات الأخيرة، لم يعد صانع المحتوى مجرد شخص يقدم مادة ترفيهية أو معلومات سريعة، بل أصبح شريكاً في تشكيل الوعي، والتأثير في السلوك، وإعادة صياغة كثير من المفاهيم داخل المجتمع، لذلك، فإن الاستثمار في صناع المحتوى لم يعد خياراً، بل ضرورة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأسرة، باعتبارها النواة الأولى لأي مجتمع.
هذا ما فكرت به وأنا أشارك في برنامج لصناع المحتوى الأسري، حيث أدركت خلال اللقاءات أن الفكرة تتجاوز تعليم مهارات التصوير أو كتابة النصوص أو فهم الخوارزميات، وإنها محاولة لبناء محتوى يضع الأسرة في قلب المشهد الرقمي، في وقت أصبحت فيه المنصات تؤثر في تفاصيل حياتنا اليومية أكثر من أي وقت مضى.
ولطالما اعتقدت أن الخبرة الإعلامية تكفي لصناعة محتوى جيد، لكن الواقع الرقمي يتغير بسرعة، ويجبرنا باستمرار على مراجعة أدواتنا وطريقة تفكيرنا، وهذا ما أقدّره في مثل هذه البرامج؛ فهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح باب النقاش، وتدفع المشاركين إلى التفكير في مسؤوليتهم قبل التفكير في أرقام المشاهدات.
وأؤمن أن صانع المحتوى الأسري يحمل مسؤولية مضاعفة، لأنه لا يخاطب فرداً، بل يخاطب علاقة بين أب وابنه، أو أم وابنتها، أو زوجين يبحثان عن مساحة من التفاهم، لذلك، فإن أي كلمة أو فكرة أو قصة قد تترك أثراً يمتد إلى داخل البيت، وليس إلى شاشة الهاتف فقط.
من هنا، أرى أن المبادرات التي تجمع بين الخبرة الإعلامية والرؤية المجتمعية تستحق التقدير، ليس لأنها تصنع مؤثرين أكثر، بل لأنها تسعى إلى صناعة محتوى أكثر وعياً، فنحن لا نحتاج اليوم إلى مزيد من المحتوى فحسب، بل إلى مزيد من المحتوى الذي يحترم عقل الإنسان، ويحافظ على تماسك الأسرة، ويجعل من المنصات الرقمية مساحة لبناء القيم، لا لاستهلاكها.
وربما هذه هي الرسالة الأهم التي خرجت بها حتى الآن من هذه التجربة، وما زلت أتعلمها في كل لقاء: أن التأثير الحقيقي لا يبدأ من الشاشة، بل من الرسالة التي يحملها صانع المحتوى، والإيمان بأن الكلمة قد تُغيّر أسرة كاملة، قبل أن تحصد ملايين المشاهدات.