د. مهند النسور : المياه.. نبض الصحة العامة
عندما يُذكر مصطلح "الصحة العامة"، يتبادر إلى أذهان كثيرين المستشفيات والأطباء والأدوية، لكن الحقيقة أن الصحة تبدأ قبل ذلك بكثير؛ إنها تبدأ من الماء. فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي أساس الحياة، وركيزة الوقاية من الأمراض، وضمان الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية المستدامة.
ولعل ما يميز المياه عن غيرها من محددات الصحة أنها حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية؛ في مياه الشرب، وإعداد الغذاء، والنظافة الشخصية، وعمل المستشفيات والمدارس والمزارع والمصانع. ولذلك فإن أي خلل في توافرها أو جودتها أو استدامتها ينعكس مباشرة على صحة الإنسان والمجتمع، ويزيد من الأعباء الصحية والاقتصادية في آن واحد.
ويواجه الأردن اليوم واحدًا من أعقد التحديات المائية في العالم، إذ يُصنَّف ضمن أفقر الدول مائيًا، ولا تتجاوز حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة نحو 100 متر مكعب سنويًا، في حين يبلغ المتوسط العالمي نحو 6000 متر مكعب. وهذا يعني أن المواطن الأردني لا يحصل إلا على ما يقارب 2% من متوسط حصة الفرد عالميًا، كما أن هذه الحصة تقل كثيرًا عن خط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويًا.
ولا تقتصر المشكلة على محدودية الموارد، بل تتفاقم بسبب ارتفاع الطلب، وتأثيرات تغير المناخ، والنمو السكاني، إضافة إلى أن نسبة الفاقد في شبكات المياه ما تزال مرتفعة، وهو ما يجعل تحسين كفاءة إدارة المياه وخفض الفاقد من أهم الأولويات الوطنية.
ومن منظور الصحة العامة، فإن ندرة المياه لا تعني فقط قلة الكميات، بل تمتد آثارها إلى زيادة مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه، وصعوبة المحافظة على النظافة الشخصية، وسلامة الغذاء، وجودة الخدمات الصحية. كما أن التزويد المتقطع يدفع كثيرًا من الأسر إلى تخزين المياه، مما يجعل الالتزام بطرق التخزين الآمن وتنظيف الخزانات بصورة دورية جزءًا أساسيًا من حماية صحة الأسرة.
ولا تقتصر العلاقة بين المياه والصحة العامة على الوقاية من الأمراض المعدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية وجودة الحياة أيضًا. فالحصول المنتظم على مياه آمنة يخفف من الضغوط اليومية على الأسر، ويعزز كرامة الإنسان، ويحسن بيئة التعليم والعمل، ويزيد من قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات. ولهذا تُعد خدمات المياه والإصحاح والنظافة من أكثر الاستثمارات الصحية أثرًا في تحسين صحة السكان والحد من الأمراض.
ومع تزايد آثار تغير المناخ، وتراجع الهطول المطري، وارتفاع درجات الحرارة، لم يعد الأمن المائي قضية خدمية أو هندسية فحسب، بل أصبح ركيزة أساسية للأمن الصحي والغذائي والاقتصادي، ومؤشرًا مهمًا على قدرة الدول على حماية مجتمعاتها وتعزيز صمودها أمام الأزمات.
إن حماية المياه مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ بالإدارة الرشيدة، وحماية المصادر المائية، وخفض الفاقد، ولا تنتهي عند ترشيد الاستهلاك وتبني سلوكيات مسؤولة في كل منزل ومؤسسة. فالحفاظ على المياه ليس مجرد واجب بيئي أو اقتصادي، بل هو استثمار مباشر في صحة الإنسان وكرامته ومستقبل الأجيال القادمة.
وفي الأردن، حيث أصبحت كل قطرة ماء ذات قيمة استثنائية، فإن الحفاظ عليها هو حفاظ على الصحة والحياة معًا. فكل قطرة نوفرها اليوم تعني مجتمعًا أكثر صحة، واقتصادًا أكثر قدرة، ووطنًا أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل. فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي، إنها نبض الصحة العامة، وشريان الحياة الذي يستحق أن نصونه بكل مسؤولية.