رائد العورتاني : جيل شاخ قبل أوانه فمن يسمع صوته
في وطن يزخر بالشباب ويُراهن على طاقاتهم باعتبارهم ثروته الحقيقية يقف آلاف الشبان اليوم على أبواب المستقبل وهم يحملون شهاداتهم في يد وهمومهم في اليد الأخرى، لم يعد السؤال متى سنجد فرصة عمل، بل متى سيأتي ذلك اليوم.
لقد شاخ جيل كامل قبل أوانه، ليس لأن السنوات أثقلت كاهله، بل لأن الهموم سبقته والبطالة سلبته أجمل مراحل العمر، شباب أنهكتهم طوابير الانتظار، وأرهقتهم الوعود حتى أصبحت أحلامهم البسيطة كالحصول على وظيفة أو تأسيس أسرة أو امتلاك منزل او سيارة قديمة، تبدو وكأنها رفاهية بعيدة المنال.
إن البطالة ليست مجرد رقم يُنشر في التقارير والإحصاءات، بل هي أزمة اجتماعية واقتصادية ونفسية تمس كرامة الإنسان واستقراره، الشاب الذي يفقد فرصة العمل لا يفقد مصدر دخله فحسب، بل يفقد شعوره بالإنتاج والانتماء والثقة بالمستقبل، وقد يجد نفسه فريسة للإحباط والعزلة والقلق، وربما للانحراف أو الهجرة أو الاستسلام لليأس.
ومع استمرار هذه الأزمة، تتسع آثارها لتطال المجتمع بأكمله، فارتفاع معدلات البطالة يؤخر سن الزواج، ويزيد من الأعباء على الأسر، ويضعف القوة الشرائية، ويؤثر في النمو الاقتصادي، ويهدر طاقات وطنية كان يمكن أن تكون ركيزة في التنمية والإبداع، والأخطر من ذلك أنها تُشكل بيئة خصبة لانحراف الشباب وغرس بذور السلوك الإجرامي في نفوسهم، البطالة والحرمان والإحباط المستمر قد تدفع بعضهم إلى البحث عن أي وسيلة للخروج من واقعهم، حتى وإن كانت خارج إطار القانون، ليجد المجتمع نفسه أمام أزمة لا تهدد الشباب وحدهم بل تهدد أمنه واستقراره ومستقبله.
إن شباب الأردن لا يبحثون عن المستحيل، ولا يطلبون امتيازات خاصة، بل يطالبون بحقهم الطبيعي في العمل الكريم والعيش بكرامة والمشاركة في بناء وطنهم، هم من يمتلكون الكفاءة والإرادة لكنهم بحاجة إلى فرص حقيقية، وإلى سياسات اقتصادية تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر.
إن مواجهة البطالة لا تكون بالشعارات والتقارير والخطابات الرنانة في مجلس التشريع و وسائل الإعلام، إنما بخطط وطنية قابلة للتنفيذ تقوم على تشجيع الاستثمار المنتج ودعم الصناعات الوطنية وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتوسيع برامج التدريب المهني والتقني، بما يضمن تأهيل الشباب للوظائف التي يحتاجها الاقتصاد.
إن الحديث عن نسب البطالة في التقارير الرسمية لا يكشف الحقيقة كاملة، خلف كل رقم شاب ينتظر وأب يئن وأم تخفي دموعها وأسرة تؤجل أفراحها وأطفال حُرموا من مستقبل أفضل لأن معيلهم لم يجد فرصة عمل، لقد آن الأوان أن تتحول قضية البطالة إلى أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، كل يوم يمر دون حلول حقيقية يعني مزيداً من الأعمار المهدورة، ومزيداً من الأحلام المكسورة ومزيداً من الإحباط الذي قد يدفع المجتمع ثمنه باهظاً.
إن الشباب ليسوا عبئاً على الدولة، بل هم أكبر فرصة تمتلكها، وكل يوم يمر دون معالجة جادة لهذه الأزمة، هو خسارة جديدة للوطن قبل أن يكون خسارة للشباب أنفسهم، الأوان أن نُصغي إلى هذا الجيل الذي شاخ قبل أوانه، لا تتركوا هذا الجيل يشيخ قبل أوانه، أنقذوا أحلامه قبل أن تتحول إلى رماد وأعيدوا إليه ثقته بأن لهذا الوطن مكاناً يتسع لطموحه وأن العدالة تبدأ من حق الإنسان في العمل الكريم.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، هي مسؤولية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات وكل من يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، إنقاذ الشباب ليس ترفاً سياسياً ولا شعاراً إعلامياً بل هو واجب وطني لأن الأوطان التي تخسر شبابها تخسر مستقبلها.
تحدثت في مقالي السابق إلى حجم الودائع المجمدة في البنوك بلغ نحو 59.7 مليار دينار، وهو رقم يعكس متانة الجهاز المصرفي وثقة المودعين، لكنه يثير في الوقت ذاته سؤالًا مشروعاً، كيف يمكن توسيع توظيف هذه السيولة بما يخدم الاقتصاد الحقيقي، ويخلق فرص عمل للشباب، ويدعم القطاعات الإنتاجية، إن تحويل جزء أكبر من هذه الأموال إلى استثمارات منتجة وتمويل المشاريع الصناعية والزراعية والريادية، ضمن أطر تحفظ حقوق المودعين وتراعي الاستقرار المالي، من شأنه أن يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، وتقليص البطالة، ومنح الشباب أملاً حقيقياً بمستقبل أفضل، الشباب هم الثروة الوطنية الأهم، والاستثمار فيهم هو الاستثمار الأكثر جدوى، أما تركهم أسرى للبطالة والإحباط، فهو ثمن سيدفعه المجتمع بأكمله مستقبلاً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً.