المستشار م. أحمد الغزوي : هل نُصلح الإدارة المحلية… أم نُعيد المركزية بثوبٍ جديد؟
هناك قوانين تُنظم شؤون الدولة، وهناك قوانين ترسم مستقبلها. ومشروع قانون الإدارة المحلية من النوع الثاني، لأنه لا يتعلق بإجراءات إدارية فحسب، بل يمس جوهر المشاركة الشعبية، ومستقبل البلديات، ودور المجالس المنتخبة في صناعة القرار المحلي.
واليوم، ومع صدور الإرادة الملكية السامية بإدراج مشروع قانون الإدارة المحلية على جدول أعمال الدورة الاستثنائية لمجلس النواب، يصبح النقاش حول هذا المشروع واجبًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل. فالقوانين قد تُغيَّر، أما آثارها فتبقى لسنوات، وربما لعقود.
إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المواد القانونية، بل بقدرته على توسيع مساحة المشاركة، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات دولته، وتمكين من اختارهم الشعب من ممارسة مسؤولياتهم بفاعلية واستقلالية.
ومن هنا، فإن النقاش الدائر حول مشروع القانون ليس رفضًا للإصلاح، بل هو دعوة إلى أن يكون الإصلاح أكثر رسوخًا وعدالة، وأن يحافظ على روح اللامركزية التي جاءت لتعزيز دور المجتمعات المحلية، لا لإضعافه.
فالخشية ليست من نصوص القانون وحدها، بل من الأنظمة والتعليمات التي ستصدر بموجبه، لأنها ستكون صاحبة الأثر الأكبر في تحديد الصلاحيات، ورسم حدود القرار، وبيان العلاقة بين المنتخب والإدارة التنفيذية. فإذا تقلصت صلاحيات المجالس المنتخبة، فإننا نكون قد انتقصنا من جوهر المشاركة الشعبية، مهما كانت النصوص جميلة في ظاهرها.
وفيما يتعلق بشرط المؤهل العلمي لرئاسة البلدية، فإننا نؤكد، بكل وضوح، أن العلم قيمة وطنية عظيمة، وهو أساس من أسس التقدم، لكن الكفاءة القيادية لا تُختزل في شهادة جامعية وحدها. فالعلم يضيف إلى القائد، لكنه لا يصنعه وحده، كما أن الخبرة، والنزاهة، والقدرة على خدمة الناس، وثقتهم بمن يمثلهم، تبقى عناصر لا تقل أهمية.
لقد عرف الأردن، منذ البدايات، رؤساء بلديات وشخصيات محلية كان لهم أثرٌ وطني كبير، وأسهموا في ترسيخ مؤسسات الدولة، وحفظ السلم المجتمعي، وتعزيز الالتفاف حول القيادة الهاشمية، في زمن كانت فيه فرص التعليم الجامعي محدودة. ولم تكن قيمتهم فيما يحملونه من شهادات، بل فيما يحملونه من مسؤولية، وحكمة، وإخلاص للوطن.
ومن المفارقات التي تستحق النقاش، أن عضوية مجلس النواب، وهي سلطة دستورية تضطلع بالتشريع والرقابة، لا تشترط مؤهلًا جامعيًا، بينما يُطرح هذا الشرط لرئاسة البلدية، وهي مؤسسة خدمية وتنموية تقوم في جوهرها على ثقة المواطنين والقدرة على القيادة الميدانية. وهذه مسألة تستحق حوارًا وطنيًا هادئًا يوازن بين أهمية التأهيل الأكاديمي واحترام حق المواطنين في اختيار من يرونه الأكفأ.
وفي هذه المرحلة، فإننا نتطلع إلى أن تُسمع أصوات أصحاب الخبرة، وفي مقدمتهم معالي العين والوزير الأسبق توفيق كريشان، الذي عرف الإدارة المحلية عن قرب، وأسهم في تطويرها عبر سنوات طويلة، كما نتطلع إلى أن يُثري الوزراء السابقون، ورؤساء البلديات السابقون، وأعضاء مجالس المحافظات، هذا الحوار الوطني بخبراتهم وتجاربهم، فالأوطان لا تبنى بإقصاء الخبرة، وإنما بالاستفادة منها.
كما نتوجه بنداء وطني صادق إلى أصحاب السعادة أعضاء مجلس النواب، وأصحاب المعالي أعضاء مجلس الأعيان، بأن يناقشوا هذا المشروع بروح المسؤولية الوطنية، وأن يجعلوا المصلحة العامة هي البوصلة التي تهدي قرارهم. فالقانون الذي سيُقر اليوم لن يكون قانون هذا المجلس وحده، بل سيكون قانون الأجيال القادمة.
إن قوة الدولة لا تتحقق بتقليص مساحة المشاركة، وإنما بتوسيعها، ولا تُبنى بالوصاية على المجتمع، وإنما بالشراكة معه. والإدارة المحلية كانت، وما تزال، إحدى ركائز الدولة الأردنية، وحاضنةً لقيادات وطنية خدمت الوطن بإخلاص، وكانت قريبة من الناس، تعرف احتياجاتهم، وتحمل همومهم.
إننا لا نكتب دفاعًا عن أشخاص، ولا عن مواقع، وإنما دفاعًا عن مبدأٍ راسخ، هو أن يبقى للمواطن صوتٌ مؤثر، وللمجالس المنتخبة صلاحياتٌ حقيقية، وللديمقراطية الأردنية مضمونٌ يواكب تطور الدولة ويحافظ على إرثها.
فلنحفظ للإدارة المحلية رسالتها، وللديمقراطية روحها، وللأردن إرثًا صنعه الآباء والأجداد، وأمانةً نستحق أن نسلمها للأجيال القادمة أكثر قوةً وعدلًا وثقةً بالمواطن.
المهندس أحمد الغزوي
امين عام وزارة البلديات سابقا