اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

النائب دعلي الطراونه : عندما يصبح الفساد أخطر من كل التهديدات

النائب دعلي الطراونه : عندما يصبح الفساد أخطر من كل التهديدات
أخبارنا :  

عندما يصبح الفساد أخطر من كل التهديدات


ليس كل خطر يهدد الأوطان يأتي من خلف الحدود، ولا كل عدو يعلن عن نفسه صراحة. فهناك عدو يلبس ثوب المسؤولية، ويتسلل إلى مؤسسات الدولة، ويستنزف مقدراتها بصمت، حتى إذا استفحل، أضعف هيبتها، وأفقد المواطن ثقته بها. إنه الفساد… ذلك الوباء الذي لا يهدم الأبنية، بل يهدم القيم، ولا يحتل الأرض، بل يحتل الضمائر.


إن الأردن، هذا الوطن الذي واجه عبر تاريخه أعتى العواصف، ظل عصيًا على الانكسار بفضل وعي قيادته، وتماسك شعبه، ويقظة أجهزته. لكن الخطر الذي ينبغي أن يستنفر الجميع اليوم، ليس فقط ما يُحاك خارج الحدود، بل ما يُرتكب داخلها على يد من خانوا الأمانة، واستباحوا المال العام، وجعلوا من المناصب مزارع خاصة، ومن مؤسسات الدولة إقطاعيات للمحسوبية والولاءات.


أي خطر أشد على الدولة من مسؤول يسرق قوت الناس؟ وأي تهديد أعظم من موظف يتاجر بالوظيفة العامة، ويُقصي أصحاب الكفاءة، ويمنح الفرص لأقاربه وأبنائه ومحاسيبه، وكأن الوطن إرث شخصي، لا أمانة في أعناق الرجال؟


إن الفساد لا يسرق الأموال فحسب، بل يسرق الأمل، ويغتال العدالة، ويقتل الانتماء. وحين يرى المواطن أن القانون يُطبَّق على الضعيف ويتوقف أمام صاحب النفوذ، فإن الخاسر الحقيقي ليس فردًا بعينه، بل هي هيبة الدولة نفسها.


إن رسالة الأردنيين اليوم إلى أصحاب القرار، وإلى كل جهة رقابية، ليست طلبًا لمزيد من الشعارات، وإنما مطالبة صادقة بأن تكون المعركة الأولى ضد الفساد، وضد كل من اعتدى على المال العام، أو استغل سلطته، أو صادر حقوق الناس، أو حوّل الوظيفة العامة إلى غنيمة يتقاسمها المقربون والمحسوبون.


ليس المطلوب مطاردة الشرفاء، ولا الانشغال بالخصومات الجانبية، وإنما ملاحقة كل من خان القسم، وأساء استخدام السلطة، وأفسد الإدارة، وأهدر المال العام، أيًا كان موقعه أو اسمه أو نفوذه. فلا قيمة لدولة يتساوى فيها الشريف والفاسد، ولا معنى للقانون إذا استثنى الأقوياء من المساءلة.


إن الدول لا تنهار يوم يقل المال، بل يوم تغيب العدالة. ولا تضعف حين تكثر التحديات، بل حين يفقد المواطن ثقته بأن حقه مصان، وأن كفاءته مقدَّرة، وأن القانون لا يفرق بين مسؤول ومواطن.


إن قوة الدولة ليست في كثرة القوانين، بل في عدالة تطبيقها. وهيبة المؤسسات ليست في صرامة بياناتها، بل في قدرتها على استرداد الحقوق، ومحاسبة المعتدين على المال العام، وتجفيف منابع الواسطة والمحسوبية، وترسيخ مبدأ أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن المال العام خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه.


إن الأردن يستحق إدارة نزيهة، وقضاءً عادلًا، ورقابةً لا تعرف المجاملة، ودولةً لا يحتمي فيها فاسد بنفوذه، ولا يفلت فيها معتدٍ على حقوق الناس من الحساب.


هذه ليست دعوة للانتقام، بل دعوة للعدالة. وليست صراعًا مع أشخاص، بل دفاعًا عن وطن. فالأوطان تُبنى بالنزاهة كما تُحمى بالسلاح، وتبقى قوية حين يكون القانون سيد الجميع، وحين يعلم كل من تسوّل له نفسه العبث بمقدرات الدولة أن الحساب قادم لا محالة.


فإذا أردنا أردنًا أقوى، وأكثر استقرارًا، وأكثر ثقةً بين الدولة ومواطنيها، فلتكن المعركة الكبرى مع الفساد، لأنه العدو الذي إذا انتصر، هزم كل إنجاز، وإذا هُزم، انتصر الوطن.


تحياتي

دعلي الطراونه

مواضيع قد تهمك