العشي يكتب: التحول الرقمي رهينة "فلس".. كيف تعطل الأنظمة الإلكترونية في أمانة عمان مصالح المواطنين؟
بقلم الإعلامي الدكتور محمد العشي
في الوقت الذي تتسابق فيه المؤسسات الحكومية نحو التحول الرقمي وتطوير الخدمات الإلكترونية لتسهيل حياة المواطنين واختصار الوقت والجهد، يفترض أن تكون هذه الأنظمة وسيلة لحل المشكلات لا سببًا في صناعتها. إلا أن ما واجهته شخصيًا خلال اليومين الماضيين كشف عن مفارقة تستحق التوقف عندها، لأنها تمثل نموذجًا واضحًا للفجوة بين طموح الرقمنة وواقع التطبيق.
بدأت القصة مساء الرابع من تموز، عندما شرعت في استكمال إجراءات إصدار براءة ذمة بيوعات الأراضي عبر بوابة الخدمات الإلكترونية التابعة لأمانة عمان الكبرى. وكما تقتضي التعليمات، قمت بسداد كامل ضريبة المسقفات المترتبة على العقار، وكان من الطبيعي أن تُصدر براءة الذمة إلكترونيًا بشكل فوري بعد تسوية جميع الالتزامات المالية.
لكن المفاجأة كانت مختلفة تمامًا.
فعند متابعة الطلب عبر البوابة الإلكترونية، ظهرت حالة المعاملة بأنها "قيد الدراسة" لدى قسم المحاسبة المالية، بينما أوضحت الملاحظات وجود مطالبة مالية متبقية مقدارها (0.001) دينار أردني، أي فلس واحد فقط، مع تعليق إصدار براءة الذمة إلى حين سداد هذا المبلغ.
قد تبدو المسألة للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الحقيقة تكشف خللًا أكبر من قيمة المبلغ نفسه. فالقضية ليست في فلس واحد، وإنما في نظام إلكتروني يعطل معاملة رسمية مكتملة بسبب فرق حسابي ضئيل لا يمكن للمواطن حتى التعامل معه أو تسديده بصورة عملية، وهو ما يثير تساؤلات حول آلية التقريب الحسابي ومعالجة الكسور العشرية داخل النظام الإلكتروني.
ولأن الهدف كان إنهاء المعاملة بالطرق الرسمية، بدأت رحلة أخرى مع خدمة العملاء.
خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، أجريت أكثر من خمسة عشر اتصالًا على الرقم الموحد 117180، كما يظهر في سجل المكالمات، واستغرقت بعض هذه الاتصالات عدة دقائق في محاولة لشرح المشكلة ومتابعتها. وفي كل مرة كان يتم تحويلي إلى القسم المختص، إلا أن معظم التحويلات لم تلقَ أي استجابة، أو تنتهي دون الوصول إلى حل، لتبقى المعاملة معلقة حتى هذه اللحظة.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
كيف يمكن لخطأ برمجي بهذا الحجم أن يوقف معاملة رسمية؟ وكيف يُعقل أن يبقى مواطن عالقًا بسبب فلس واحد، رغم سداده كامل الالتزامات المالية المطلوبة؟ وما جدوى وجود مركز اتصال إذا كانت الأقسام المختصة لا تستجيب للتحويلات أو لا تمتلك صلاحية معالجة مثل هذه الأخطاء التقنية البسيطة؟
إن القضية لا تتعلق بحالة فردية بقدر ما تتعلق بجودة الخدمات الإلكترونية وآليات التعامل مع الاستثناءات. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقتصر على إطلاق بوابات إلكترونية أو استبدال المعاملات الورقية بشاشات رقمية، بل يقوم على بناء أنظمة ذكية ومرنة تستطيع اكتشاف الأخطاء ومعالجتها تلقائيًا، وتوفير فرق دعم فني تمتلك سرعة الاستجابة والصلاحيات الكافية لإنهاء المشكلات دون تحميل المواطن أعباءً إضافية.
إن احترام وقت المواطنين ليس ترفًا إداريًا، بل هو أحد أهم معايير نجاح المؤسسات الحديثة. فالمعاملات العقارية ترتبط غالبًا بمواعيد قانونية والتزامات مالية وعقود بيع، وأي تأخير غير مبرر قد ينعكس على حقوق الأطراف كافة، وهو ما يجعل معالجة مثل هذه الأعطال ضرورة وليست خيارًا.
ومن هذا المنطلق، فإن هذه الكلمات ليست انتقادًا لمبدأ التحول الرقمي، بل هي دعوة صادقة إلى أمانة عمان الكبرى لمراجعة أنظمتها الإلكترونية، ومعالجة الخلل المتعلق بالفروقات الحسابية، وتطوير آليات الدعم الفني، حتى لا تتحول الأخطاء البرمجية البسيطة إلى عوائق تعطل معاملات المواطنين وتضعف الثقة بالخدمات الرقمية.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد الخدمات المتاحة على الموقع الإلكتروني، بل بقدرة هذه الأنظمة على إنجاز معاملات المواطنين بكفاءة، ومعالجة الأخطاء قبل أن تتحول إلى بيروقراطية إلكترونية جديدة. وعندما تصبح معاملة رسمية رهينة فلس واحد، وعشرات الاتصالات دون استجابة، فإن المشكلة لم تعد في قيمة الفلس، بل في المنظومة التي سمحت له بأن يعطل مصالح الناس. آمل أن تكون هذه التجربة دافعًا لأمانة عمان لمراجعة النظام وتصويب الخلل، حتى لا تتكرر المعاناة مع أي مواطن آخر.