د. خالد الشقران : قمة عمان: تكامل اقتصادي برؤية سياسية
جاءت القمة الأردنية القبرصية اليونانية الخامسة التي استضافتها عمان لتؤكد أن الأردن يواصل ترسيخ موقعه كفاعل إقليمي محوري قادر على بناء مسارات تعاون تعزز الاستقرار وتفتح آفاق التنمية.
وشكلت القمة محطة استراتيجية متقدمة في مسار الشراكة الثلاثية، وأعادت التأكيد على أهمية العمل الجماعي في مواجهة التحديات المتشابكة في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وجسدت القمة رؤية مشتركة قائمة على تحويل التحديات إلى فرص، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. وفي هذا السياق، برزت أهمية القمة في دفع جهود التكامل الاقتصادي، حيث تسعى الدول الثلاث إلى بناء فضاء إقليمي مترابط يجعل من شرق المتوسط جسراً حيوياً يربط بين أوروبا والمنطقة العربية، وقد انعكس ذلك في التركيز على تطوير التعاون في قطاعات الطاقة، والنقل، والتجارة، وسلاسل التوريد، والممرات التجارية، والبنية اللوجستية، بما يعزز من موقع الأردن كبوابة لوجستية واستثمارية في المنطقة، ويفتح أسواقاً أوروبية هائلة، خاصة عبر الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيسرع علميات النمو الاقتصادي، ويعزز الناتج المحلي للأردن، ويبني مناعة طويلة الأمد ضد الصدمات، ويجعله مركزاً للاستثمارات الاستراتيجية.
وتكمن أهمية القمة في أنها تمثل منصة لتعميق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، في إطار توجه استراتيجي أردني يسعى إلى توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والتنموي، والاستفادة من المبادرات الأوروبية في مجالات البنية التحتية والطاقة والاستثمار، بما يعزز من قدرة الأردن على مواجهة التحديات الاقتصادية الداخلية عبر الانفتاح على أسواق وفرص جديدة.
سياسياً وأمنياً، حملت القمة رسائل واضحة تعكس حرص الأردن على استقرار الإقليم، حيث شددت على أهمية خفض التصعيد، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، ودعم الجهود الدولية لتجنب الانزلاق نحو صراعات أوسع، كما عكست مواقف القمة اتساق السياسة الأردنية القائمة على دعم الحلول السياسية ورفض استخدام القوة كوسيلة لفرض الوقائع.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أعادت القمة التأكيد على مركزية هذه القضية، مشددة على أن حل الدولتين يبقى السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل، كما أدانت الإجراءات الإسرائيلية الأحادية في الضفة الغربية، ودعت إلى معالجة الوضع الإنساني في غزة، مع دعم دور الأونروا، وفي هذا الإطار، برز الدعم القبرصي واليوناني للوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، ما يعكس اعترافاً دولياً بالدور الأردني التاريخي في حماية الهوية الدينية والقانونية للمدينة.
وفي الملفات الإقليمية الأخرى، أكدت القمة أهمية استقرار لبنان وسوريا، مع تسليط الضوء على الأعباء الكبيرة التي يتحملها الأردن، خاصة في استضافة اللاجئين السوريين، وقد حظي هذا الدور بتقدير واضح من الشركاء، ما يعزز من مكانة الأردن كشريك موثوق في إدارة الأزمات الإنسانية.
في المحصلة، تثبت قمة عمان الخامسة أن الشراكة الثلاثية التي انطلقت أولى قممها عام 2018 تسير بخطى ثابتة نحو مأسسة تحالف إقليمي مرن يجمع بين المصالح السياسية والاقتصادية والاعتبارات الأمنية، وبالنسبة للأردن، تمثل هذه القمة تأكيداً على نجاح نهجه القائم على التوازن والانفتاح، وتعزيز الشراكات متعددة الأطراف.
ومع التطلع إلى انعقاد القمة السادسة في اليونان العام
المقبل، ترتسم ملامح تحالف استراتيجي إقليمي متين، قادر على موازنة
الطموحات الاقتصادية مع متطلبات الأمن والسلام في واحدة من أكثر مناطق
العالم حساسية وتأثيراً، ولعب دور مؤثر في صياغة مستقبل شرق المتوسط، بما
يخدم الاستقرار والتنمية ويعزز الحضور الأردني في المعادلة الإقليمية
والدولية. ــ الراي