الأخبار

سامح المحاريق : القمة الأردنية – اليونانية – القبرصية بين العمق التاريخي والأفق المستقبلي

سامح المحاريق : القمة الأردنية – اليونانية – القبرصية بين العمق التاريخي والأفق المستقبلي
أخبارنا :  

في فضاء العلاقات اليونانية – القبرصية مع المنطقة العربية العديد من التقاطعات القائمة على العمق التاريخي الذي يمتد لعلاقة طيبة تواصلت الجوار العربي، وفي الحالة الأردنية، كانت الجوانب المتعلقة بالكنيسة الشرقية ووجودها في المناطق المقدسة تنسج التفاهم بين البلدين، كما اتخذ الأردن وبصورة دائمة موقفًا متفهمًا ومتوازنًا في الفصول العديدة التي تعلقت بجزيرة قبرص والأوضاع السائدة فيها.

 

بالانتقال إلى السنوات الأخيرة حضرت اليونان وقبرص في السياسة العربية بعد الاكتشافات المتعلقة بالغاز في شرق المتوسط، ومرة أخرى وجدت في الأردن حالة من الشراكة الإيجابية خاصة في المراحل التي تعقدت فيها العلاقات مع تركيا ووصلت إلى التنافس الخشن على ترسيم الحدود الخاصة بالتنقيب عن الغاز.

هذه المعطيات تجعل البناء على العلاقة القائمة والتاريخية أولوية أردنية مفهومة، إلا أن القمة الأخيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن تطورات أخرى جديدة تمنحها بعدًا إقليميًا، فمن ناحية، فالعلاقات الأردنية - التركية في أفضل أحوالها والتنسيق قائم بين البلدين بخصوص الملف السوري وتطورات الأحداث على المستويين الاقتصادي والأمني، وبهذه المسافة المدروسة بين أنقرة وأثينا يعزز الأردن من وجوده الدبلوماسي بشكل عام، وبجانب ذلك، يتقدم خطوة تحوطية في ملفين رئيسيين، الأول يتعلق بسيناريوهات متشائمة يمكن أن تتفاعل على صعيد الصراع الإيراني – الأمريكي – الإسرائيلي، وضرورة وجود حلفاء في المتوسط يمكنهم مساندة الأردن في حالة تواصل التعقيدات في مضيق هرمز وتوسعها لتشمل مضيق باب المندب.

أما الملف الثاني، فيتعلق بدور اليونان بوصفه جزءًا من منظومة شرق المتوسط في التفاعلات التي يمكن أن تحدث لاحقًا مع الجانب الإسرائيلي الذي يمكن أن يتخذ خطوات تصعيدية في الضفة الغربية خاصة بعد الانتخابات المقبلة والتي ستتزامن مع صورة أوضح على المستوى الإقليمي.

تظهر الأردن وسط ذلك كله بوصفها الدولة الناظمة للعديد من المحاور وتعمل على استجماع مساحات التفاهم المشتركة، وهو ما يضع عمان على مقربة من التحولات الإقليمية في معادلة قائمة على الاحترام المتبادل، ولذلك يأتي مستوى التمثيل بحضور الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني واستضافتهما من قبل الملك عبد الله الثاني ليؤكد أن الأردن يسعى للاستباق الايجابي للاستثمار في مستقبل المنطقة، وخاصة على المستوى الاقتصادي، وتعزيز المكانة الأردنية في الخارطة الجيوسياسية في المنطقة.

تظهر خارطة التحالفات والشراكات الأردنية في هذه المرحلة لتشكل عمقًا استراتيجيًا يعمل على أساس تعزيز المكتسبات المتحققة من خلال الاستثمار في الاستقرار والأمن، والتحوط لتحديات جديدة وهو المنهج الأردني الذي يعد استراتيجية وطيدة وعميقة مكنت البلاد من مواجهة مختلف التحديات لوجود دبلوماسية تتحرك متقدمة بخطوة عن كثير من اللاعبين، وثقة حتى الأطراف التي تظهر في حالة تناقض بمدى المصداقية والشفافية في التعامل مع الأردن، والفكر الأردني المرتبط بضبط المسافة في علاقاته الإقليمية والدولية.

تكلل القمة الخامسة التي عقدت في عمان أمس هذه الصورة، وتؤسس لخيارات مختلفة يسعى الأردن لتحقيق الأفضل منها في وسط اضطرابات الإقليم وأزماته الحالية، وهو ما يفرد الدبلوماسية الأردنية بوصفها مدرسة ذات استقلالية وعمق على الصعيدين العربي والدولي.

مواضيع قد تهمك