الأخبار

د. عزمي حجرات : السيادة الذكية والولاية الهاشمية: قراءة قانونية في مركز الضفة الغربية

د. عزمي حجرات : السيادة الذكية والولاية الهاشمية: قراءة قانونية في مركز الضفة الغربية
أخبارنا :  

تمثل العلاقة القانونية بين الضفتين (1950–1988) نموذجاً فريداً في القانون الدولي، حيث تداخلت فيها الضرورة الوجودية بالأمانة السياسية. إن إعادة قراءة هذا الملف اليوم، بعيداً عن العاطفة السياسية، تكشف عن حقيقة استراتيجية كبرى: وهي أن كل إجراء اتخذه الأردن –منذ الوحدة وحتى فك الارتباط– كان يصب في مصلحة تثبيت الحق الفلسطيني ومنع تصفية هويته الوطنية.

في عام 1950، لم يكن قرار الوحدة مجرد تمدد جغرافي، بل كان استراتيجية حماية وجودية. ففي الوقت الذي غابت فيه الكيانية الفلسطينية المعترف بها دولياً، وفر الأردن للفلسطينيين عبر منح الجنسية خندقاً قانونياً منع تحويلهم إلى لاجئين بلا عنوان. إن هذا الربط الكونفدرالي الواقعي منح المواطن الفلسطيني درعاً سيادياً مكّنه من الصمود فوق أرضه، والحصول على اعتراف قانوني بوجوده وتنقله وتمثيله، وهو ما أفشل محاولات التهجير والإقصاء في مهدها.

من الناحية القانونية الدولية، ظل وضع الضفة الغربية معلقاً ولم ينل اعترافاً صريحاً بالسيادة الكاملة من أغلب دول العالم، وهو ما انسجم مع قرار جامعة الدول العربية الذي اعتبر وجود الأردن في الضفة أمانة لحين حل القضية. هذا الغموض القانوني البنّاء كان ميزة استراتيجية؛ فهو من جهة منح الأردن ولاية قانونية كاملة لإدارة شؤون الناس، ومن جهة أخرى منع ذوبان الهوية الفلسطينية في كيان سيادي نهائي، مما أبقى الباب مفتوحاً للمطالبة بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

يأتي قرار فك الارتباط عام 1988 ليمثل ذروة تسليم الأمانة. فبعد أن حافظ الأردن على ديمغرافيا الأرض وسكانها لمدة 38 عاماً، جاء القرار استجابة للمصلحة الفلسطينية العليا والشرعية البديلة (منظمة التحرير). إن تحويل المواطنة من أردنية إلى فلسطينية لم يكن تخلياً، بل كان فك اشتباك قانوني يهدف إلى:
اولاً التصدي لمسح الهوية: بمنع ذوبان الشخصية الفلسطينية في المواطنة الأردنية الدائمة.

ثانياً إفشال مشروع الوطن البديل: بقطع الطريق قانونياً على الأطماع اليمينية التي تدعي أن الأردن هو فلسطين.

ثالثاً تثبيت الحق في الدولة: حيث لا يمكن بناء دولة فلسطينية معترف بها دولياً بمواطنين يحملون جنسية دولة أخرى.

بناءً على ما تقدم، تبرز خطورة الدعوات لـدسترة فك الارتباط. فالدسترة قد تحول العلاقة مع الضفة والقدس إلى نصوص جامدة قد تضر بالمرونة السيادية الأردنية. إن قوة الوصاية الهاشمية اليوم لم تعد تستند إلى جغرافيا الوحدة القديمة، بل إلى منظومة اعتراف دولية (اتفاقية وادي عربة 1994) وتفويض فلسطيني رسمي (اتفاقية 2013). هذه الوصاية باتت سيادة عابرة للحدود محمية باتفاقيات قانونية صريحة، ولا تحتاج لدسترة قد تُفهم كترسيم حدود نهائي يمس بالدور التاريخي والروحي للأردن في القدس.

نستطيع القول، إن سحب الجنسية بعد فك الارتباط واستمرار العمل بهذا القرار هو في جوهره فعل مقاوم يهدف لتثبيت الحق الفلسطيني وحماية الهوية الوطنية الفلسطينية من التلاشي. لقد كان الأردن هو الراعي المخلص الذي قدم الغطاء القانوني حين غاب العنوان، وسلم الأمانة حين وُجد العنوان، لتبقى الهوية الفلسطينية نقية ومستقلة فوق ترابها الوطني، ولتبقى الدولة الأردنية سداً منيعاً أمام كافة مشاريع التصفية.


مواضيع قد تهمك