الأخبار

د. محمد بني سلامة : إربد بين الرؤية والفرصة الضائعة: لماذا لم يُنصف مشروع “العاصمة الاقتصادية”؟

د. محمد بني سلامة : إربد بين الرؤية والفرصة الضائعة: لماذا لم يُنصف مشروع “العاصمة الاقتصادية”؟
أخبارنا :  

م تكن جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في محافظة اربد حدثاً عادياً في ذاكرة أبناء الشمال، بل شكّلت لحظة انتظرها الجميع أملاً في أن تُعيد الدولة النظر في موقع إربد ودورها الوطني والاقتصادي. غير أن اللافت في النقاشات التي رافقت الجلسة، سواء داخلها أو بعدها، أن كثيراً من الأفكار التي طُرحت باعتبارها "مقترحات جديدة” كانت في الحقيقة قد نوقشت سابقاً بشكل علمي ومهني ضمن مشروع متكامل أعدّه مركز دراسات التنمية المستدامة في جامعة اليرموك تحت عنوان «رؤية إربد عاصمة اقتصادية».

هذا المشروع لم يكن مجرد شعارات أو أمنيات عابرة، بل خريطة طريق وطنية متكاملة تسعى إلى كسر مركزية الاقتصاد وإعادة توزيع التنمية على المحافظات، من خلال تحويل إربد إلى مركز اقتصادي وسياحي واستثماري قادر على قيادة إقليم الشمال نحو مرحلة جديدة من النمو والإنتاج. وقد تضمّنت الندوة التي نظمها المركز أوراق سياسات ودراسات علمية قدمت تصورات عملية قابلة للتنفيذ، تنطلق من خصوصية إربد البشرية والجغرافية والتعليمية، وتستثمر ما تمتلكه من جامعات وكفاءات وموقع استراتيجي.

لكن المؤسف أن كثيراً ممن تحدثوا في جلسة مجلس الوزراء، وبعضهم كان قد حضر الندوة واطلع على المشروع وتفاصيله، تجاهلوا الإشارة إلى الجهد الأكاديمي والمؤسسي الذي سبق طرح هذه الأفكار بفترة طويلة . وبدلاً من التعامل مع المشروع باعتباره رؤية وطنية تستحق التبنّي الرسمي، جرى تفكيك أفكاره وتقديمها على شكل مقترحات فردية متناثرة، وكأنها اجتهادات آنية لا تستند إلى دراسات أو خطط استراتيجية.

إن ما قدمه مركز دراسات التنمية المستدامة كان فرصة حقيقية للدولة قبل أن يكون فرصة لإربد. فالجامعات ليست مؤسسات تعليمية فقط، بل بيوت خبرة وطنية تمتلك القدرة على إنتاج الحلول وصناعة السياسات. وعندما تتجاهل المؤسسات التنفيذية هذا الدور، فإنها لا تهدر جهد الباحثين فحسب، بل تضيع على الوطن فرصاً ثمينة للتخطيط العلمي الرصين.

ولعلّ من أكثر ما يثير التساؤل أن الجلسة لم تشهد حضور مدير المركز أو الفريق الذي أعدّ ورقة السياسات الخاصة بالمشروع، رغم أنهم الأقدر على شرح تفاصيل الرؤية والدفاع عنها بالأرقام والمعطيات والحلول الواقعية. ولو أُتيحت لهم الفرصة لتقديم المشروع أمام صناع القرار، لربما خرجت الجلسة بنتائج أكثر وضوحاً وجرأة، وربما كانت إربد اليوم قد بدأت بالفعل خطوات عملية على طريق التحول إلى عاصمة اقتصادية حقيقية.

ومع ذلك، فإن الأمل لم ينطفئ بعد. فما زالت الفكرة حيّة، وما زال المشروع قائماً، وما زالت إربد تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون مركزاً اقتصادياً وتنموياً متقدماً. المطلوب فقط هو الاعتراف بالجهد المؤسسي، والاستماع إلى صوت الخبراء، وتحويل الدراسات الأكاديمية إلى سياسات وطنية قابلة للتطبيق.

إن إنصاف مشروع «رؤية إربد عاصمة اقتصادية» ليس انتصاراً لأشخاص أو لمركز أكاديمي، بل انتصار لفكرة الدولة التي تبني قراراتها على العلم والتخطيط لا على الارتجال. فهل تدرك الجهات المعنية حجم الفرصة التي ما تزال بين أيديها؟ وهل تجد هذه الرؤية أخيراً من يتبناها بجدية قبل أن تضيع فرصة أخرى من فرص التنمية في الشمال؟


مواضيع قد تهمك