الأخبار

حسن الدعجة : حزب الأمة: من "الإسلامي" إلى "الأمة" تحوّل الاسم أم إعادة تعريف السياسة؟

حسن الدعجة : حزب الأمة: من الإسلامي إلى الأمة تحوّل الاسم أم إعادة تعريف السياسة؟
أخبارنا :  

في لحظة سياسية فارقة في الأردن، لم يكن إعلان تغيير اسم "جبهة العمل الإسلامي" إلى "حزب الأمة" مجرد تعديل شكلي في السجل الحزبي، بل مؤشراً عميقاً على تحوّل أوسع في طبيعة الحياة السياسية وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والأحزاب ضمن إطار سيادة القانون.


هذه الخطوة، التي جاءت في سياق قانوني جديد يفرض معايير أكثر صرامة على العمل الحزبي، فتحت الباب أمام قراءة استشرافية تتجاوز السؤال عن الاسم إلى جوهر التحول: هل نحن أمام إعادة تموضع سياسي، أم بداية لمرحلة جديدة في تنظيم الحياة الحزبية في الأردن؟
يبدو القرار استجابة مباشرة لمتطلبات قانون الأحزاب السياسية الأردني رقم 7 لسنة 2022، الذي ينص في مادته الخامسة على حظر تأسيس الأحزاب أو تسميتها على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية، بما يعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تنظيم الحياة الحزبية على أسس مدنية. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن المسألة تتجاوز مجرد الامتثال القانوني، لتعبّر عن محاولة واعية للتكيّف مع بيئة سياسية جديدة تفرضها الدولة الأردنية ضمن مشروع تحديث سياسي شامل، يسعى إلى إعادة تعريف دور الأحزاب بوصفها فاعلين برامجيين منفتحين لا كيانات أيديولوجية مغلقة.
وفي هذا السياق، تتبنى الدولة مقاربة استشرافية لا تقوم على الإقصاء، بل على إعادة الإدماج ضمن قواعد حديثة توازن بين التعددية السياسية والاستقرار الوطني.
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى الفاعلين السياسيين بأن الشرعية في المرحلة الجديدة لم تعد تُستمد من المرجعية الأيديولوجية بقدر ما تُبنى على الالتزام بالقانون والقدرة على العمل ضمن مؤسسات الدولة وآلياتها الدستورية. كما يشير إلى انتقال تدريجي من خطاب التعبئة الأيديولوجية إلى منطق العمل البرامجي القائم على المنافسة السياسية الرشيدة.
ومن هنا، يمكن فهم تغيير الاسم بوصفه استجابة تكيّفية مع متطلبات القانون، وفي الوقت ذاته تعبيراً عن براغماتية سياسية تسعى إلى ضمان البقاء والاستمرارية ضمن المشهد، وتفادي كلفة المواجهة والصدام مع الدولة، بما يتيح للحزب الحفاظ على حضوره والتأثير ضمن قواعد اللعبة السياسية الجديدة.
لكن هذا التحول لا يخلو من تناقضات. فالإصرار من قبل قيادات الحزب على أن التغيير "لا يمس الثوابت" يعكس معادلة دقيقة بين الشكل والمضمون: الامتثال القانوني من جهة، والحفاظ على الهوية السياسية من جهة أخرى.
هذا التوازن الهش يضع الحزب أمام اختبار معقّد في إدارة الانتقال دون إحداث قطيعة مع قاعدته التقليدية أو إثارة شكوك لدى الدولة.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي؛ إذ إن نجاح الحزب في مرحلته الجديدة لن يُقاس بقدرته على تغيير اسمه فحسب، بل بمدى قدرته على إعادة صياغة خطابه السياسي بما يتماشى مع متطلبات الدولة المدنية، وتقديم نفسه كفاعل وطني برامجي قادر على المنافسة ضمن قواعد جديدة، دون أن يفقد زخمه الشعبي أو رمزيته التاريخية.في المقابل، يكشف الجدل القانوني حول اسم "حزب الأمة" عن بُعد آخر في التحول، يتمثل في اختبار حدود القانون ذاته. فالنقاش حول مدى توافق الاسم مع شرط "التميّز" وعدم التكرار يعكس أن المرحلة القادمة لن تكون مجرد انتقال سلس، بل ستشهد إعادة ضبط دقيقة للحياة الحزبية من خلال أدوات قانونية ومؤسساتية تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين.
وهذا يعزز من فكرة أن الدولة لا تستهدف حزباً بعينه، بل تعمل على ترسيخ نموذج سياسي قائم على قواعد واضحة تُطبق على الجميع دون استثناء.
أما على المستوى الأعمق، فإن هذا التحول يندرج ضمن مسار أوسع يشهده الأردن يتمثل في الانتقال من سياسة الاحتواء التقليدي إلى إدارة التعددية ضمن إطار مؤسسي حديث قائم على قواعد واضحة ومُلزمة للجميع. فقبول الآخر لم يعد مجرد شعار سياسي، بل تحوّل إلى ضرورة عملية لضمان الاستقرار السياسي وتعزيز مناعة الدولة، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتسم بالاستقطاب والتوتر.
ومن هنا، فإن إعادة تموضع الأحزاب — بما فيها التيارات ذات الخلفية الأيديولوجية — يُعد جزءاً من عملية إعادة هندسة المشهد السياسي، بما يجعله أكثر توازناً وقدرة على استيعاب التنوع، ويعزز الانتقال نحو نموذج سياسي يقوم على التنافس البرامجي بدل الاصطفاف الضيق.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تغيير اسم الحزب كفرصة وليس فقط كاستجابة. فرصة للحزب لإعادة تقديم نفسه كفاعل وطني جامع، وليس مجرد امتداد لتنظيم أيديولوجي. وفرصة للدولة لإثبات أن مشروعها الإصلاحي قائم على دمج الجميع ضمن قواعد عادلة، لا على الإقصاء أو التهميش. فتعزيز الحياة الحزبية لا يتحقق بإضعاف طرف، بل بخلق بيئة تنافسية صحية تقوم على البرامج والأداء لا على الهوية والانتماء.
إن التحول من "جبهة العمل الإسلامي" إلى "حزب الأمة" لا يمكن اختزاله في تغيير اسم، بل هو انعكاس لتحول أعمق في فلسفة العمل السياسي في الأردن. إنه انتقال من مرحلة الصراع على الهوية إلى مرحلة التنافس على البرنامج، ومن منطق المواجهة إلى منطق التكيّف. وبينما يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى عمق هذا التحول، فإن المؤكد أن المستقبل السياسي في الأردن يتجه نحو نموذج أكثر توازناً، يقوم على سيادة القانون، والتعددية، وقبول الآخر كركائز أساسية لبناء حياة حزبية ناضجة ومستقرة.

*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة
الحسين بن طلال

مواضيع قد تهمك