الأخبار

امل محي الدين الكردي : رسالة عبر "واتساب" حين تتحول الطفولة الى وقود للانتقام

امل محي الدين الكردي : رسالة عبر واتساب حين تتحول الطفولة الى وقود للانتقام
أخبارنا :  

مساء الأمس، ضجّ الأردن بخبر مقتل هؤلاء الأطفال، ليخيم حزنٌ ثقيل لا يشبه أي صمتٍ مرّ من قبل على كل أرجاء الوطن. وفي مدينة الكرك، التي هي جزءٌ لا يتجزأ من نبضنا الوطني، وقعت الفاجعة؛ تلك المدينة التي لم تكن يوماً مجرد بقعةٍ جغرافية، بل هي "مدرسةُ المروءة" التي نشأ أهلها –كحال الأردنيين جميعاً– على احترام التقاليد، وتوقير الكبير، والغيرةِ الشريفة على العرض والأرض. كانت الكرك، برجالها ونسائها، ملاذاً للسكينة، وموطناً للأعراف التي تُعلي من شأن المرأة وتحفظ كرامتها، فكيف تسلل هذا الغريب إلى قلعةٍ كانت الحصنَ الحصين للقيم؟
إنَّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد أخبارٍ تناقلتها الألسن، بل هو "زلزالٌ قيمي" يهزُّ وجداننا الجمعي. لقد امتدت يد الغدر لتنهي حياة أطفالٍ في ريعان براءتهم، ولم تكتفِ بهذا الجرم العظيم، بل تحولت إلى أداة سادية حين قام القاتل بتوثيق جريمته، وإرسالها عبر "واتساب" إلى قلب الأم المكلومة؛ كأنه يريد أن يغرس خنجراً في روحها مرتين: مرةً حين أخذ منهم الحياة، ومرةً حين جعل من صورهم ذكرى أليمة ترسلها يد من كان يوماً شريكاً في الحياة.
ألا يستوقفنا هذا المشهد المروع؟ إننا نتساءل بمرارة: كيف انحدرت مودة القربى إلى هذا القاع السحيق؟ كيف يمكن أن تصل علاقةٌ زوجية -تأسست في أصلها على المودة والرحمة- إلى هذا الحد من القسوة؟ وكيف تُختصر علاقة الأب بأبنائه إلى أداةٍ لتصفية الحسابات الدنيئة؟ إنَّ السؤال الذي يمزق صدورنا هو: هل من المعقول أن تتآكل الرحمة، وتتبخر قدسية الرابطة الزوجية والأبوية، حتى يصبح الأطفال وقوداً لهذا الحقد الانتقامي؟ إنَّ هذا الفعل لا يمثلنا، ولا يمثل قيمنا ولا تقاليد الأردنيين الذين جعلوا من بيوتهم واحاتٍ للأمان.
وإزاء هذا الواقع المرير، فإننا نوجه نداءً صادقاً للمشرّع الأردني، ولنخبة محامينا، ولكلِّ حريصٍ على أمننا الاجتماعي، بأن ننظر بعينِ الفحصِ والتدقيق في "ثغرات" منظومتنا التشريعية المتعلقة بالطفل. إننا نطمح إلى إعادة قراءة نصوصنا القانونية برؤيةٍ عصرية، تنهل من قيمنا الأردنية الأصيلة، وتواكب الانفتاح العالمي على المعايير الدولية في حماية الطفولة.
إنَّ مجتمعنا الراقي، الذي يحرص على أبنائه، يستحق قوانينَ أكثر مرونةً وقوةً، قادرةً على التدخل الناجع قبل وقوع الكارثة. إننا لا نبحث عن تعديلاتٍ لمجرد التغيير، بل لإيجاد "سياجٍ قانوني" متين يحمي براءة الصغار، ويعزز من أدوات حماية المرأة والطفل، لضمان ألا تظل أرواحُ أبنائنا عرضةً لتقلبات الأهواء، أو رهينةً لخلافاتٍ كان يمكن احتواؤها.
إنَّ قلوبنا اليوم تعتصر ألماً على أطفالٍ رحلوا، لكنَّ أملنا يظل معقوداً على هذا المجتمع النبيل وعلى مؤسساتنا التشريعية والحقوقية التي ستكون حتماً صمام الأمان. لنتكاتف جميعاً لنعيد للكرك وللرمثا ولكل ركنٍ في أردننا الحبيب، ذلك الأمان الذي كان يغلف أطفالنا. لنجعل من وجعنا اليوم، بدايةً لوعيٍ جديد يُعلي من قيمة الرحمة، ويحمي براءة الصغار، ويصون كرامة الأسرة الأردنية، لتبقى بيوتنا دائماً، كما كانت، واحاتٍ للحب ومنابت للأمل.
أمل محي الدين الكردي

مواضيع قد تهمك