موريتانيا: فترة رئاسية ثالثة للغزواني تربك “الحوار الوطني”… كيف تدخل “الرجل القوي”؟
لمشهد السياسي الموريتاني اليوم أمام انسداد سياسي مربك، فالحوار الوطني الشامل الذي دعا له الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والذي لا يستثني موضوعاً ولا يقصي أحداً، والذي يؤمل منه، حل مشكلات موريتانيا المزمنة، حالياً في وضعية جمود، بعد أن كان على وشك الانطلاق. والواضح بمقارنة المواقف والمعطيات القائمة، وحسب ما يراه متابعون لهذا الشأن، سبب الانسداد هو أن "الأغلبية تسعى من وراء هذا الحوار وبطريقة غير مباشرة لتشريع تعديل دستوري يتيح للرئيس مواصلة حكم موريتانيا في فترة رئاسية ثالثة بعد انتخابات 2029”.
ويرى سياسيو الأغلبية، وفقاً لما نقل عن الكثيرين منهم، أن موريتانيا ليست جاهزة في الظرف الحالي المطعم بتأزم محلي وإقليمي ودولي، لانتقال السلطة لرئيس جديد يفتقر للتجربة. وتتقوى الأغلبية في موقفها هذا بتأييد غربي لبقاء الغزواني في السلطة، وبما حدث في دول إفريقية أخرى أتاحت لرؤسائها الاستمرار في الحكم لثلاث وأربع وخمس مأموريات تغليباً لعامل الاستقرار على مسألة التناوب على السلطة.
يرى سياسيو الأغلبية، وفقاً لما نقل عن الكثيرين منهم، أن موريتانيا ليست جاهزة في الظرف الحالي المطعم بتأزم محلي وإقليمي ودولي، لانتقال السلطة لرئيس جديد
وفي مقابل هذا التوجه، ترفض المعارضة الموريتانية المس بالمادة المتعلقة بالمأموريات الرئاسية المقفلة بما اشتمل عليه القسم الرئاسي المنصوص عليه في الدستور، من التزام بعدم السعي المباشر أو غير المباشر لتعديلها. وترى المعارضة أن التناوب على السلطة من خلال تولي كل رئيس منتخب مأموريتين رئاسيتين اثنتين دون زيادة، مكسب ديمقراطي مقدس تجب المحافظة عليه.
وأمام هذا الانسداد، وجدت السلطات نفسها أمام مأزق، فإما أن تتنازل عن فتح المأموريات وتفقد بالتالي هدفها الحقيقي من الحوار، وإما أن توقف الحوار إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة وهو ما قد يفسر بأنه فشل لقضية كبرى يقودها رئيس الجمهورية بنفسه. وأعلن منسق الحوار السياسي، موسى فال، قبل ثلاثة أسابيع، عن تعليق الجلسات التحضيرية للحوار التي كانت جارية، وذلك بهدف العمل لتجاوز الجدل الذي أثير حول موضوع المأموريات، حيث تصر أحزاب الموالاة عليه، وترفض أحزاب المعارضة مجرد نقاشه، أو تشترط تقييده بعدم المساس بالمواد المحصنة دستورياً.
تدخل "الرجل القوي”
وبعد أن دعت المعارضة الرئيس الغزواني للتدخل لإنقاذ الحوار بصفته الداعي والضامن له، أكد عدد من رؤساء الأحزاب السياسية، أن وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، الرجل القوي في النظام، أجرى معهم سلسلة لقاءات بهدف ضمان استئناف الجلسات التحضيرية للحوار المعلّقة منذ نهاية مارس/ آذار المنصرم، وإزالة أو تذليل العقبات التي أوصلتها لمسار مسدود.
وأكدت مصادر متطابقة أن ولد محمد الأمين أبلغ رؤساء أحزاب معارضة التقاهم خلال اليومين الأخيرين، بضرورة العمل على استئناف الجلسات التحضيرية للحوار”، مردفاً أن” قضية نقاش المأمورية الثالثة التي كانت سبباً في اعتراضهم ورفضهم مواصلة الجلسات غير واردة، وليس ضمن أجندات السلطة”.
الأمين دعا السياسيين الذين التقاهم لـ”التعاون معه من أجل استئناف الجلسات، ودعم جهوده لتسهيل العملية، وتقريب وجهات نظر الأطراف المتحاورة”
وأضافت أن ولد محمد الأمين دعا السياسيين الذين التقاهم لـ”التعاون معه من أجل استئناف الجلسات، ودعم جهوده لتسهيل العملية، وتقريب وجهات نظر الأطراف المتحاورة”، منبهاً إلى أن "عمله ومساعيَه لا تعتبر تجاوزاً لمنسق الحوار، ولا تدخلاً في صلاحياته”. ونبه الوزير السياسيين الذين التقاهم إلى ضرورة استكمال الحوار بشكل كامل قبل نهاية العام الجاري، لأنّ تأجيله إلى العام المقبل سيجعله يتأثر بضغط اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وتصاعد الحسابات السياسية والانتخابية. وطالب ولد محمد الأمين السياسيين المعارضين الذين التقاهم بتوفير فرصة تحفظ لأحزاب الأغلبية ماء وجهها في الموضوع الذي تقدمت به، وأعلنت تمسكها به، مشدداً على أنه لا علاقة له بالمأمورية الثالثة، وأن الأخيرة ليست مطروحة أصلاً.
حالة الجمود
وهكذا وفي وقت كانت فيه موريتانيا تتهيأ لإطلاق حوار سياسي وطني يُفترض أن يطوي صفحة من التوترات المزمنة، عاد المسار إلى نقطة الجمود، وسط خلاف حاد حول سقف النقاش وحدوده، وبشكل خاص مسألة المأموريات الرئاسية. ويجد البلد نفسه مجددًا أمام مشهد سياسي مألوف: مبادرات واعدة، ثم تعثر عند أول اختبار حقيقي للتوافق.
وكان الغزواني قد أعلن قبل أكثر من عام عن حوار "شامل ودون خطوط حمراء”، في محاولة لفتح أفق سياسي جديد يعالج القضايا البنيوية، من الحكامة إلى الإصلاحات المؤسسية. ولقيت هذه الدعوة، في بداياتها، ترحيبًا واسعًا من مختلف الأطراف السياسية، التي رأت فيها فرصة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية في البلاد. غير أن هذا الزخم سرعان ما اصطدم بخلاف جوهري: هل يجب أن يكون الحوار مفتوحًا على كل القضايا، بما فيها تعديل عدد المأموريات الرئاسية، أم إن هناك خطوطًا دستورية لا يجوز الاقتراب منها؟
الخوف من الانزلاق
وتتوجس المعارضة من أي انزلاق نحو تعديل الدستور، وتتمسك بموقف حازم: لا حوار حول المأموريات، وفتح المأموريات للنقاش يشكل "فخًا سياسيًا” قد يقود إلى إعادة هندسة النظام السياسي بما يخدم استمرار السلطة. وبالنسبة لها، فإن أي غموض في خارطة الطريق هو بمثابة ثغرة قد تُستغل لإعادة طرح سيناريوهات سبق أن أثارت جدلاً واسعًا في المنطقة.
ساهمت تصريحات بعض المقربين من السلطة، إلى جانب مواقف تيارات قومية رافضة للحوار من حيث المبدأ، في تعقيد المشهد
وفي قلب هذا الانسداد، يقف منسق الحوار الوطني، موسى فال، الذي بذل جهودًا مكثفة على مدى أكثر من عام لتقريب وجهات النظر؛ فقد أجرى سلسلة واسعة من المشاورات شملت مختلف القوى السياسية والفاعلين، وانتهت بصياغة خارطة طريق وُصفت بأنها "توافقية”؛ غير أن هذه الوثيقة، التي كان يُفترض أن تشكل أرضية الانطلاق، أصبحت نفسها محل خلاف، بسبب تفسيرات متباينة لمضامينها.
والمفارقة أن هذا التعثر جاء بعد مؤشرات إيجابية كانت توحي بقرب التوصل إلى اتفاق؛ فبعد عام من المشاورات، بدا أن هناك شبه إجماع على القضايا الكبرى المطروحة، وأن الأطراف مستعدة للدخول في مرحلة الحوار الفعلي؛ لكن ما تغير لاحقًا، بحسب مراقبين، هو بروز حسابات سياسية جديدة، أعادت خلط الأوراق.
وساهمت تصريحات بعض المقربين من السلطة، إلى جانب مواقف تيارات قومية رافضة للحوار من حيث المبدأ، في تعقيد المشهد؛ والغريب أن هذه الأصوات، التي تتبنى خطابًا متشددًا، تبدو أحيانًا في تناقض مع النبرة التصالحية التي يحاول الرئيس تسويقها، ما يطرح تساؤلات حول مدى انسجام المواقف داخل المعسكر الحاكم.
هشاشة التوافقات
ولا يتعلق السؤال المطروح اليوم فقط بمصير هذا الحوار، بل بقدرة النظام السياسي الموريتاني على إدارة خلافاته ضمن أطر مؤسسية؛ فالتجارب السابقة، وآخرها حوار 2022 الذي انتهى دون نتائج ملموسة، تظهر هشاشة التوافقات السياسية، وسرعة انهيارها عند أول اختبار.
لا يتعلق السؤال المطروح اليوم فقط بمصير هذا الحوار، بل بقدرة النظام السياسي الموريتاني على إدارة خلافاته ضمن أطر مؤسسية
كما أن استمرار هذا الانسداد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير مريحة، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، وحاجة ملحة لإصلاحات عميقة؛ فالحوار، في مثل هذه السياقات، لا يكون ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لضمان الاستقرار وتفادي الانزلاقات.
والحاصل أن موريتانيا توجد اليوم أمام مفترق طرق: إما إعادة تشغيل "ماكينة الحوار” عبر تقديم تنازلات متبادلة، أو الاستمرار في دائرة الجمود، بما يحمله ذلك من مخاطر على المسار الديمقراطي. ويبقى الرهان الأساسي على قدرة الغزواني على حسم هذا التردد، إما عبر إعادة ضبط مواقف معسكره، أو من خلال تقديم ضمانات واضحة تطمئن المعارضة وتعيد الثقة إلى العملية السياسية. مع التأكيد على أن نجاح الحوار لا يتوقف فقط على النيات المعلنة، بل على وضوح القواعد، وصدق الالتزام بها؛ وفي غياب ذلك، قد يتحول الحوار من فرصة للحل إلى عنوان جديد لأزمة تتجدد.