رامي خريسات : المشاريع الإستراتيجية: إحياء الشمال ونهضة الجنوب
دائماً ما مضى الأردن قدماً في تنفيذ مشاريعه الاستراتيجية وتعزيز قوته الاقتصادية، مدعوماً بوقار الخطاب الهاشمي المتزن، رافضاً لأي أحداث اقليمية مهما بلغت قسوتها، أن تكون سبباً في تعطيل مسيرته. وبالتالي نجح الأردن وما يزال ينجح في فصل مسار البناء الاقتصادي عن الأزمات الإقليمية.
هناك نشاطان مهمان قادمان: واحد باتجاه الشمال، حيث تم توقيع 10 اتفاقيات
مع الاخوة في سورية، تهدف لإحياء شريان تجاري يمنح الصادرات الأردنية
وصولاً أسهل للأسواق التركية والأوروبية، وقد قفز التبادل التجاري عام 2025
لمستويات عالية ليبلغ 334 مليون دينار، مقابل 116 مليون دينار في عام
2024، بنمو نسبته 188 %. ويأمل الأردن أن يستعيد، بل ويتجاوز، الأرقام التي
كانت تقارب 460 مليون دينار قبل عام 2011.
وتتعدد الفوائد المرتقبة، وأهمها ما سيعود على الخزينة من عوائد رسوم
العبور، وانخفاض أسعار المستوردات من السلع الزراعية والأولية، بالإضافة
إلى آلاف فرص العمل التي سيتيحها تنفيذ هذه الاتفاقيات.
الثاني، مشروع سكة حديد ميناء العقبة، الذي أُطلق بالشراكة مع الأشقاء في
دولة الإمارات العربية المتحدة. يمثل هذا المشروع استثماراً استراتيجياً
نوعياً يضع الاقتصاد الوطني على أعتاب بنية تحتية حديثة وعالمية، بقيمة
تبلغ 2.3 مليار دولار؛ ومن المؤمل أن يسهم في خفض تكاليف الشحن والخدمات
اللوجستية بنسبة تتراوح بين 15 % و25 % مقارنة بوسائل النقل التقليدية.
بجانب خفض كلف النقل اللوجستي، سيؤدي الى زيادة تنافسية الصادرات خاصة
الفوسفات والبوتاس الأردني في الأسواق العالمية، مما سيرفع إيرادات قطاع
التعدين، بالإضافة إلى خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة خلال
مرحلتي الإنشاء والتشغيل.
للمعلومية، السكك الحديدية هي قيمة مضافة وليست بديلاً عن قطاع الشاحنات،
بل ستساهم في النقل من وإلى المحطات، لتشكل شكلاً مهماً من أشكال التكامل
اللوجستي، الذي نأمل أن يكون ذكياً. والنتيجة هي خفض كلف النقل، وازدهار
المناطق العنقودية الاقتصادية (Economic clusters) الممتدة على طول الطريق،
ما ينعش ما حولها، ويخلق فرص للعمل، ويدفع نحو تطوير خدمات مساندة.
وفق تقديرات عامة عالمية ( benchmark ) كل مليار دولار يتم استثماره في
مشاريع البنية التحتية الكبرى (مثل السكك الحديدية) يساهم في زيادة الناتج
المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.5 % إلى 0.8 % بشكل تراكمي، ويولد ما
بين 10,000 إلى 20,000 فرصة عمل بصورة مباشرة او غير مباشرة.
ومن ضمن الاستعدادات المطلوبة لهذه المشاريع وغيرها، في ظل الاتجاه
المتنامي لمشاريع السكك الحديدية والبنى التحتية في المنطقة، إدراج تخصصات
هندسة السكك والصيانة، إلى جانب الخدمات اللوجستية الحديثة المعتمدة على
الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات الضخمة، ضمن المساقات الجامعية.
النجاح يعني المزيد من الطموح، والمتمثل في تحول الأردن مستقبلاً إلى مركز
لوجستي بري للتخزين الاستراتيجي للغذاء والدواء، لصالح دول الخليج
والمنطقة، ضمن منظومة متكاملة، مستنداً إلى موقعه الجغرافي ليشكل "الرئة
البرية للخليج"، في سياق من استقراره النسبي البعيد عن اضطرابات الممرات
المائية والمضائق البحرية المهددة في بيئات شديدة التقلب.