رومان حداد : الولايات المتحدة والمنطقة..علاقة تعاد صياغتها والتحرك بات ضرورياً
خلال الأعوام السبعة الماضية، تم الترويج لفكرة مفادها انسحاب الولايات المتحدة من منطقتنا، وتراجع أهمية هذه المنطقة لدى مركز القرار في واشنطن، واستطاع أصحاب هذه الفكرة حشد مجموعة كبيرة من الأدلة على صواب فكرتهم، حتى باتت هي الفكرة التي تحكم عقل دول المنطقة في علاقتها مع الولايات المتحدة، وكان وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض للمرة الثانية برهاناً إضافياً لا يقبل النقاش على صوابية الفكرة، خصوصاً وأنه بدا أنه يحمل أجندة تعزز حالة عزلة الولايات المتحدة والانكفاء على ملفات داخلية.
ولكن ما حدث خلال عام مضى أربك منظري فكرة الانسحاب الأميركي من المنطقة، فالولايات المتحدة خاضت حربين خلال عام، وبالتالي لم يعد من السهل قراءة السلوك الأميركي في الشرق الأوسط بوصفه امتداداً لنهج الانسحاب منه والاكتفاء بـ"إدارة الصراع" ومنع انفجاره، فالمؤشرات المتراكمة خلال العام الأخير توحي بأن واشنطن بدأت تتحرك ضمن مقاربة أكثر طموحاً وتعقيداً، يمكن وصفها بمحاولة "إعادة هندسة الإقليم" من خلال أدواتها المباشرة، وهذه المقاربة الأميركية لم تكتفِ بضبط التوازنات أو احتواء الخصوم، بل تسعى إلى إعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية برمتها بما يخدم تصوراً أميركياً جديداً للأمن والاستقرار، تكون فيه الولايات جزءاً أصيلاً ومسيطراً، تدير المشهد مباشرة وليس عن بعد.
أصحاب فكرة الانسحاب الأميركي من المنطقة وإدارة الصراع كانوا يستندون إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إدارة الأزمات، فها هي تقوم باحتواء إيران دون إسقاطها، كما تقوم بدعم الحلفاء دون تمكينهم من التفوق الكامل، وهو ما يؤدي إلى ضبط الصراعات بحيث تبقى تحت سقف يمكن السيطرة عليه.
لكن جاءت الحربان على إيران، حرب الاثنى عشر يوماً وحرب الأربعين يوماً، لتقدم حقائق جديدة على الأرض تفرض علينا تقديم مقاربة أو قراءة مختلفة للتصور الأميركي عن دور الولايات المتحدة في المنطقة، خصوصاً في ظل إعادة الاعتبار لدور الدولة ورفع الحماية عن الفاعلين دون الدولة في المنطقة، وهو تغير حاسم واستراتيجي.
هذا التحول الأميركي يبدو مدفوعاً بعدة اعتبارات، أولها أن سياسة إدارة النزاع في المنطقة أثبتت محدوديتها، فهذه السياسة أدت إلى توسع النفوذ الإيراني ما نتج عنه تراجع للاستقرار في بؤر عدة في المنطقة.
أما ثاني الاعتبارات فهو أن كلفة الإبقاء على صراعات منخفضة الشدة لفترات طويلة أصبحت مرتفعة سياسياً واقتصادياً، سواء على الولايات المتحدة أو على حلفائها، أما الاعتبار الثالث، فيتعلق برغبة واشنطن في تقليص انخراطها المباشر عسكرياً، مقابل بناء منظومة إقليمية قادرة على إدارة نفسها ضمن إطار مصالح أميركية واضحة، ولكن ذلك يتطلب من الولايات المتحدة إعادة الانخراط المباشر والمؤثر لإعادة ضبط إعدادات المنطقة بصورة تتوافق مع الخطة الأميركية للمنطقة.
ولذلك تأخذ إعادة الهندسة الأميركية للمنطقة مسارات متعددة ومتوازية، حيث تعمل الولايات المتحدة على إعادة تعريف الحلفاء، حيث يشترط في حليف الولايات المتحدة بحلته الجديدة أن يكون حليفاً أمنياً وعسكرياً، بالإضافة إلى قدرته على تأمين شروط التحالف الاقتصادي التكنولوجي.
كما ترتكز سياسة هندسة المنطقة أميركياً على فكرة إعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية، بحيث تتحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر في إدارة أمنها، ضمن منظومة ردع مشتركة، على أن تلتزم الولايات المتحدة على حماية حلفائها من خصومهم الإقليميين عبر مزيج من الضغط والاحتواء، بما يحد من قدرة هؤلاء الخصوم على إلحاق الضرر بحلفاء واشنطن.
لكن محاولة إعادة هندسة الإقليم قد تؤدي إلى فتح مساحات جديدة من عدم اليقين، خصوصاً إذا لم تتطابق الرؤية الأميركية مع حسابات الدول الفاعلة والمؤثرة إقليمياً، فعملية إعادة توزيع الأدوار قد تخلق تنافساً بين الحلفاء أنفسهم، بدل أن تعزز التنسيق بينهم، وهو ما يُظهر أن أي خلل في إدارة هذه العملية قد يدفع بعض الأطراف إلى اختبار حدود القوة الأميركية، ما يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.
تغير السلوك الأميركي تجاه منطقتنا مؤشر مهم على تغير التصور الأميركي لدور واشنطن في المنطقة، ولكن الرؤية الأميركية ليست قدراً مطلقاً، وعلى الدول في المنطقة أن تكون حذرة جداً من عملية إعادة هندسة المنطقة أميركياً، فهذا المصطلح يبدو هادئاً يخفي وراءه دلالته الشرسة، والمقصود منه هو إعادة التوزين الجيوسياسي لدول المنطقة لتأكيد السيطرة الإسرائيلية، والتعامل مع إسرائيل الأقوى إقليمياً كقدر محتوم، بصورة تضر بمصالح دول عدة في المنطقة وعلى رأسها الأردن.
ما تعمل الولايات المتحدة عليه من تغيير وإزاحات في المنطقة يتم طبخه بسرعات مختلفة في واشنطن، وعلينا أن نتحرك نحوها بسرعة قبل إغلاق باب المناقشات في الملفات العالقة والتحول الكامل للتنفيذ، ففي هذه المرحلة، ما زالت واشنطن تتعلم من بعض الأخطاء الناتجة عن تطبيق الفكرة، وبالتالي ما زال باب النقاش مفتوحاً، ولكن بعدة فترة ليست بالبعيدة سيغلق باب النقاش نهائياً.