الأخبار

امل محي الدين الكردي : سعد جمعة ما وراء السلطة. حكاية السياسي الذي شَرّح أوجاع الأمة

امل محي الدين الكردي : سعد جمعة ما وراء السلطة. حكاية السياسي الذي شَرّح أوجاع الأمة
أخبارنا :  

في ذاكرة الدولة الأردنية، ثمة أسماءٌ لا تُقرأُ في جداول المناصب فحسب، بل تُستقرأُ في حيواتِ أصحابها، وما تركوه من أثرٍ يتجاوزُ كرسيَّ الحكم. "سعد جمعة" ليس مجردَ اسمٍ في قائمة رؤساء الوزراء، بل هو حالةٌ ذهنيةٌ متوقدة، تجسدُ التلاحم النادر بين صرامةِ رجل الدولة، وعمقِ المثقف الذي لم تغمضْ له عينٌ عن جراح الأمة.
حكاية سعد جمعة الكردي (1916–1979) ليست حكايةً عادية؛ فهي تبدأ من الشتات وتستقر في الطفيلة. هي حكايةُ "الجذور الكردية" التي انطلقت من ديار بكر، لتجدَ في دمشقَ مهدَ العلم، وفي "الطفيلة" الأردنية وطنًا وروحاً. هذا التنوع في الروافد صقلَ في وجدان سعد جمعة شخصيةً أردنيةً صلبة، استمدت من جبال الطفيلة وقارها، ومن مدرسة السلطِ علمَها، ومن دراسة الحقوق في دمشقَ أفقها القانوني والقومي الواسع.
حين استدعى القدرُ سعد جمعة ليتحمل المسؤولية في ذلك العام المفصلي (1967)، لم يكن الأمر تشريفاً، بل كان حملاً ثقيلاً. لقد كلفه المغفور له الملك الحسين بن طلال برئاسة الوزارة مرتين في عامٍ واحدٍ، محاولاً استجماع قوى الدولة في وجه العاصفة.
في حكومته الأولى (23 أبريل 1967)، سجل سعد جمعة سابقةً تاريخيةً لا تُنسى في الحياة البرلمانية الأردنية؛ إذ نالت حكومته ثقة مجلس النواب بالإجماع، في واقعةٍ هي الأولى من نوعها في تاريخ الأردن السياسي، مما عكس حالةً من الالتفاف الوطني النادر حول رجلٍ عرفَ الناسُ صدقَه. ولكن، حين وقعت "النكسة"، لم يقف جمعة موقف المتفرج؛ بل كان الرجل الذي تجرع مرارة الهزيمة كأنها نكبةٌ شخصية، فقدم استقالته، لا هرباً، بل اعترافاً بمسؤوليةِ من يدركُ أن حجمَ أزمات الأمة قد تجاوز قدرةَ القيادات على الاحتواء في ذلك الظرف القاسي.
بعد أن غادر سعد جمعة صخب السياسة، انزوى إلى مكتبه، لا ليرتاح، بل ليبدأ "عملية جراحية" كبرى في جسد الفكر العربي. لم يكتفِ بالتسليم بأن الهزيمة كانت عسكرية، بل كان مقتنعاً بأنها "انهيارٌ حضاري". هنا، خرج إلى النور كتابه الأكثر دسامةً وجرأة: "مجتمع الكراهية
في هذا الكتاب، لم يعد جمعة يكتبُ كرجلِ دولةٍ يبررُ السياسات، بل كتب "كمفكرٍ قلق" يضعُ إصبعه على الجرح النازف:
يرى جمعة أن الكراهية في مجتمعنا ليست انفعالاً عابراً، بل هي "عقيدة اجتماعية" تغلغلت في مفاصل الأمة. لقد انشغلت الأنظمة العربية بالصراع "البيني" (عربي ضد عربي)، مما خلق مجتمعاً يستهلك طاقاته في الحسد، والنميمة، والشك المتبادل. هذه الكراهية –في نظره– هي التي جعلت من "العدو الخارجي" يبدو قوياً، بينما كنا نحن من يفتح له الأبواب بالتمزق الداخلي.
ويقدم جمعة رؤية فلسفية مذهلة حول "الفراغ الروحي". حيث يرى أن الإنسان العربي، حين تعرى من قيمه الحضارية ومنابعه الروحية، أصبح "مباءة سهلة" (تربة خصبة) لكل الضلالات. المؤامرة، بالنسبة لسعد جمعة، لا تنجح إلا إذا وجدت "خيانةً صامتة" داخل النفس البشرية، خيانة تتمثل في التخلي عن الأخلاق والقيم لصالح الانتهازية السياسية.
واذا تعمقنا بالكتاب كان دعوة صارخة لاستعادة "النسيج الممزق". يجادل جمعة بأن النهضة لا تبدأ بالمدافع، بل بالعودة إلى "قيم الإيمان"، وأن قتال المسلم للمسلم ليس خطأً سياسياً فحسب، بل هو "كفرٌ بالأمة ومستقبلها". لقد كتب بلغةٍ لا تعرف المجاملة، لغةٍ توقظ الغافلين، وتذكرهم بأن ضياع فلسطين كان نتيجة طبيعية لضياع "بوصلة الأخلاق" في داخلنا.
لم يكن سعد جمعة مجرد أديبٍ سياسي؛ بل كان "بوصلةً" حادة. مؤلفاته مثل "المؤامرة ومعركة المصير" و*"أبناء الأفاعي"* و*"الله أو الدمار"*، لم تكن مجرد ورقٍ مُحبر، بل كانت صرخةَ رجلٍ يرى الوطن في خطر، ويحاول عبر كلماته أن يمنع الانهيار.
لقد رحل سعد جمعة عام 1979، تاركاً إرثاً يؤكد أن "السياسي البارع" هو من يعرف متى يقود الدولة، و"المثقف العظيم" هو من يعرف متى يكتب ضمير الأمة. سيبقى اسمُه محفوراً في ذاكرة الأردن، ليس فقط كمن أدار دفة الحكم في زمنِ العواصف، بل كمن امتلك الشجاعةَ ليقول للأمة: "إن مصيبتكم الكبرى ليست في أعدائكم، بل في عجزكم عن الثقة ببعضكم البعض."
أمل محي الدين الكردي

مواضيع قد تهمك