أ. د. خلف الطاهات : العلاقات الأردنية - الخليجية بعد الاعتداءات الإيرانية
بعد الاعتداءات الإيرانية الأخيرة التي استمرت أربعين يوما، لم تعد العلاقة الأردنية الخليجية قابلة للقراءة بمنطق التضامن التقليدي أو التنسيق السياسي الموسمي. فمنذ 28 فبراير الماضي، دخل الأردن ودول الخليج معا في دائرة استهداف واحدة وعدوان سافر غير مبرر من إيران. وما يمنح هذه اللحظة ثقلها الاستراتيجي أن الأردن ودول الخليج لم يدخلوها من موقع الدول الساعية إلى التصعيد. ومع ذلك، أصبح الأردن ودول الخليج العربي هدفا للهجمات الإيرانية التي استهدفت بنى تحتية ومنشئات مدنية وتجمعات سكنية ومصادر الطاقة والمطارات والموائي.
الأردن تحرك مبكرا باتجاه أشقاءه في دول الخليج العربي، فكانت جولة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الإمارات وقطر والبحرين في 17 مارس في ذروة ظرف إقليمي شديد الحساسية، إعلانا عمليا بأن الأردن يرى في أمن الخليج امتدادا مباشرا لأمنه الوطني، وأن الرد العربي الرشيد يبدأ بالحضور السياسي في الميدان الدبلوماسي لا بالغياب عنه. ولم تقف المواجهة الأردنية الايرانية عند حدّ الصواريخ والمسيّرات. ففي 14 أبريل هدد مندوب إيران لدى الأمم المتحدة الأردن بالانتقام وطالبها ودول الخليج العربي بالتعويضات متهما هذه الدول بالمشاركة في الحرب أو تسهيلها.
وعليه، فإن مستقبل العلاقات الأردنية الخليجية لن يُقاس بعد اليوم بعبارات الأخوّة وحدها، بل بمدى القدرة على تحويل وحدة التهديد إلى وحدة في التخطيط والردع. فالمشترك بين الطرفين لم يعد مجرد الانتماء العربي أو تشابه المواقف، وإنما التعرّض لنفس أدوات الضغط متمثلة في الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والوكلاء المسلحون في المنطقة، وحملات التضليل الإعلامي، وتهديد المجالين الجوي والبحري وسلاسل الإمداد.
وفي تقديري، فإن الصيغة الأنسب لمستقبل هذه العلاقة ليست انتظار ترتيبات كبرى مؤجلة، بل بناء شراكة دفاعية أردنية-خليجية، ضمن إطار مؤسسي دائم للأمن والدفاع. لا يشترط هذا الإطار تغييرا شكليا في البنية السياسية لمجلس التعاون، لكنه يتطلب مجلس تنسيق سياسي-عسكري دائم، يضم وزراء الدفاع والخارجية وقادة أركان الجيوش، ويجتمع دوريا وفي حالات الطوارئ، ويرتبط مباشرة بغرف العمليات ومراكز الإنذار المبكر.
أول عناصر هذه الصيغة هو دمج الأردن تقنيا وعملياتيا في بنية الإنذار المبكر والدفاع الجوي الخليجي.، وذلك من خلال زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية، ونقل الصورة الجوية إلى جميع مراكز العمليات، وتسريع العمل على قوة المهام المشتركة للإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، وتنفيذ تدريبات مشتركة بين مراكز العمليات الجوية وقوات الدفاع الجوي. وإذا كان الأردن قد راكم خبرة عملية مباشرة في اعتراض الصواريخ والمسيّرات وحماية مجاله الجوي، فإن ضم هذه الخبرة إلى المنظومة الخليجية المتطورة والأكثر حداثة سيمنح الطرفين معاً عمقا عملياتيا أكبر وقدرة أسرع على الاكتشاف والاعتراض.
وثاني عناصرها إنشاء خلية أزمة مشتركة دائمة للحرب الهجينة، لأن أزمة 2026 أثبتت أن الحرب النفسية لا تقل خطرا عن الحرب الصاروخية. فقد بات واضحا من هذه الحرب ان جزءا من إدارة الأزمة هو مواجهة الأخبار الزائفة والتضليل، ناهيك عن سيل الفيديوهات المفبركة والمعلومات المضللة الرامية إلى النيل من المعنويات الوطنية وزعزعة الجبهة الداخلية للأردن ودول الخليج العربي. لذلك فإن الدفاع المشترك لم يعد يعني الصاروخ والرادار فقط، بل يعني أيضاً منصة عربية منسقة للرواية، والرصد الرقمي، والتواصل الاستراتيجي، والتحرك القانوني في الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
أما العنصر الثالث، فهو توسيع مفهوم الدفاع ليشمل أمن الممرات وسلاسل الإمداد. ومع ما نشهده من ازمة مضيق هرمز هذه الأيام، فمن المهم جدا ضمان حرية الملاحة، سيما وان أمن الخليج مرتبط مباشرة بالملاحة الدولية وأسواق الطاقة وسلامة سلاسل التوريد. وهذا يعني أن الشراكة الأردنية الخليجية المقبلة ينبغي أن تجمع بين الدفاع الجوي، وأمن الموانئ، واللوجستيات، والتخطيط للطوارئ الاقتصادية، حتى لا تتحول أي أزمة عسكرية إلى اختناق تجاري أو معيشي.
لكن الشرط الأهم لنجاح هذه الصيغة أن تظل صيغة دفاع وردع بعيدا عن اي تصعيد مفتوح وهذا ما التزمت به الاردن ودول الخليج العربي طيلة ايام الاعتداءات الايرانية السافرة. فالأردن ودول الخليج شددوا، قبل الهجمات وبعدها، على أنهم لا يريدون أن تكون أراضيهم منصات لشن حرب على إيران، وأنهم ما زالوا يرون في الدبلوماسية والحوار الطريق الأفضل لخفض التوتر. وهذا مهم سياسيا وأخلاقيا؛ لأنه يمنح أي بناء دفاعي عربي شرعية واضحة تتمثل في حماية السيادة، وردّ العدوان، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مستباحة، لا البحث عن حرب جديدة.
خلاصة القول إن الأردن لم يقف إلى جانب الخليج هذه المرة من باب المجاملة السياسية، بل من موقع الشريك في الخطر والمصلحة والمصير. والخليج، في المقابل، لم يعد ينظر إلى الأردن باعتباره عمقا سياسياً فقط، بل باعتباره شريكا أمنيا مباشرا أثبتت الأحداث أنه يملك الإرادة والخبرة والشرعية. وإذا أُحسن البناء على هذه اللحظة، فإن المستقبل لن يكون مجرد علاقات أردنية خليجية جيدة، بل نواة منظومة عربية أكثر تماسكا يكون جوهرها؛ دفاعية في قرارها، عقلانية في خطابها، رادعة في جاهزيتها، ومنفتحة على السلام من موقع القوة لا من موقع الانكشاف.