الأخبار

د. مهند النسور : السودان في عامه الثالث من الحرب

د. مهند النسور : السودان في عامه الثالث من الحرب
أخبارنا :  

في الخامس عشر من أبريل، أكملت الحرب في السودان عامها الثالث، لا كحدثٍ عابر، بل كواقعٍ يومي يتكرر في تفاصيل حياةٍ أنهكها الصراع. ثلاث سنوات لم تُشيّد فقط جدران الدمار، بل أعادت تعريف معنى البقاء، حيث أصبحت الأرقام لغةً موازية تختصر ما تعجز الكلمات عن وصفه.

وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، يحتاج 21 مليون شخص إلى مساعدات صحية عاجلة، أي ما يقارب 41% من السكان. هذه النسبة تعني ببساطة أن واحدًا من كل اثنين تقريبًا يواجه خطرًا صحيًا مباشرًا، في بلدٍ لم يعد فيه المرض استثناءً بل واقعًا يوميًا. ومع خروج نحو 70% من المرافق الصحية في مناطق النزاع عن الخدمة، لم يعد السؤال من سيتلقى العلاج، بل من سيتمكن أصلًا من الوصول إليه.

وفي مشهدٍ لا يقل قسوة، تتجلى المأساة في النزوح الجماعي. فقد أُجبر 13.6 مليون شخص على مغادرة منازلهم، داخل البلاد أو خارجها، وهو رقم يضع السودان في صدارة أزمات النزوح عالميًا. وبحساب تقريبي، يعادل ذلك نزوح شخص كل بضع ثوانٍ منذ اندلاع الحرب. هذا التدفق البشري لا يظهر فقط في المخيمات، بل في مدنٍ باتت ترزح تحت ضغط الاكتظاظ والهشاشة. هنا، لا يفقد الناس منازلهم فحسب، بل يفقدون أيضًا شبكات الأمان، ومصادر الدخل، والقدرة على تخيّل مستقبل مستقر.

ورغم تراجع القتال نسبيًا في الخرطوم وولاية الجزيرة، فإن هذا الهدوء لا يعكس نهاية الأزمة بقدر ما يشير إلى تحوّل جغرافي في بؤر العنف. ففي دارفور وكردفان، تتصاعد حدة الاشتباكات، حيث يحتاج أكثر من 80% من السكان في بعض المناطق إلى مساعدات إنسانية. هناك، قد يتحول الوصول إلى مركز صحي إلى رحلة تستغرق ساعات أو حتى أيامًا — إن وُجد المركز أصلًا — في ظل مخاطر متزايدة من العنف والنزوح المتكرر.

الأزمة في السودان لم تعد إنسانية فحسب، بل أصبحت أزمة بنيوية عميقة. أكثر من ثلثي السكان يواجهون صعوبة في الحصول على مياه آمنة، فيما تجاوزت معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال في بعض المناطق 15%، وهي نسبة تُصنّف عالميًا ضمن حالات الطوارئ القصوى. هذه المؤشرات لا تعكس تدهورًا مؤقتًا، بل تنذر بخسارة جيل كامل ينمو في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

في هذا السياق، تتحول الأرقام إلى معادلات للفقد: كل مليون نازح يعني ضغطًا إضافيًا على موارد محدودة،

وكل مرفق صحي متوقف يترك آلاف المرضى بلا رعاية،

وكل يوم حرب إضافي يدفع بمزيد من الأسر إلى دائرة الاحتياج.

ورغم تسجيل عودة محدودة لبعض النازحين، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 75% منهم يعودون إلى مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات، ما يجعل العودة نفسها خطوة محفوفة بالمخاطر، لا نهايةً للأزمة.

ثلاث سنوات من الحرب لم تُخلّف دمارًا ماديًا فقط، بل أنتجت واقعًا متشابكًا تتداخل فيه الأزمات الصحية والإنسانية والاجتماعية في معادلة واحدة: احتياجات متزايدة، موارد متناقصة، وصراع مستمر. وبينما تتجدد التحذيرات الدولية، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه الأرقام إلى استجابة فعلية تنقذ ما يمكن إنقاذه.

في الذكرى السنوية الثالثة، لا يقف السودان عند حدود الزمن، بل عند مفترق طرق حاسم: إما كسر حلقة التدهور، أو الاستمرار في عدّ الخسائر بلغة الأرقام، حيث يصبح كل رقم حياةً مؤجلة أو مهددة.

مواضيع قد تهمك