رومان حداد : عن يوم العلم.. كما أفهمه
في كل عام، حين نرفع نحن الأردنيين علمنا في يوم العلم، لا نكتفي باستحضار رمز الدولة الأرقى، بل نستدعي فكرة أعمق تتعلق بمعنى الوطن ذاته، هذا الأردن الأبي الذي بنى وطناً عروبياً وحدوياً، كوريث شرعي ووحيد للثورة العربية الكبرى، هذا الوطن الذي كان موئلاً يتسع للجميع، وطن بهي احتفى باختلاف مكوناته وحوّل تنوعنا إلى مصدر قوة لا إلى سبب انقسام، فيوم العلم، كما أحياه وأفهمه ليس مجرد يوم أو مناسبة احتفالية، بل هو لحظة تأمل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين الهوية التي جمعتنا جميعاً وتعددت روافدها، بين الثوابت الوطنية ومساحات الاختلاف المشروعة.
الأردن، عبر تاريخه، لم يكن يوماً مجتمعاً أحادي اللون أو مجتمعاً مغلقاً، بل هو وطن تشكل على هيئة ملوكه الهاشميين عروبيا متنوعا، وتشكل من طبقات اجتماعية وثقافية وسياسية متعددة، اندمجت في إطار وطني واحد دون أن تفقد خصوصياتها، ولكنها بمجموعها أعطت لونها ونكهتها الخاصة لأردن لا يشبهه وطن آخر، هذه القدرة على التعامل مع الاختلاف والتنوع لم تكن صدفة، بل جزءاً من معادلة الاستقرار التي حافظت على تماسك الدولة في منطقة تعصف بها التحولات، لذلك، فإن الاحتفال بيوم العلم يجب أن يُقرأ بوصفه احتفالاً بهذا التنوع، لا محاولة لتذويبه أو إنكاره.
المفارقة التي تبرز في بعض الخطابات العامة اليوم هي الخلط بين الاختلاف والخيانة، وكأن التعبير عن رأي مغاير بات يُقاس بمدى اقترابه أو ابتعاده عن نسخة غير مكتوبة وغير متفق عليها من الوطنية، هذا المنطق، إذا تُرك دون مراجعة، يقود إلى تضييق المجال العام، وإلى إقصاء أصوات قد تكون ضرورية لتصويب المسار أو إثراء النقاش، فالوطن لا يُختزل في رأي واحد، ولا يُختبر الولاء له عبر التطابق التام في المواقف، بل عبر الإيمان العميق به والحرص على مستقبله، حتى وإن اختلفت طرق التعبير عن هذا الحرص.
الأوطان القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل بقدرتها على إدارة التنوع داخلها، والدولة التي تثق بهويتها لا تخشى الأصوات المختلفة، بل تستوعبها وتحولها إلى جزء من سرديتها الوطنية، القائمة على التنوع الذي يغنيها، أما الدولة التي تُبدي حساسية مفرطة تجاه الاختلاف، فإنها تكشف، عن غير قصد، قلقاً داخلياً من هذا التنوع، وهو قلق ينعكس سلباً على قدرتها في بناء خطاب وطني متماسك، لأنه يرتكز على أساس خطاب إقصائي ضيق الأفق.
في الحالة الأردنية، تبدو الحاجة ملحة اليوم لإعادة التوازن إلى الخطاب العام، بحيث يتم الفصل بين النقد المشروع ومحاولات الهدم الفعلي، وعلينا أن ندرك أنه ليس كل اختلاف تهديداً، وليس كل صوت معارض مشروعاً بالضرورة، لكن الحكم على ذلك يجب أن يتم عبر معايير واضحة تستند إلى القانون والمصلحة العامة، لا إلى الانفعالات أو الأحكام المسبقة، فالتسرع في تخوين المختلف لا يحمي الوطن، بل يضعف مناعته الداخلية، لأنه يحرم الدولة من الاستفادة من تنوع خبراتها وآرائها..
كل مناسبة وطنية هي احتفال بتاريخنا الوطني، ولكنها فرصة جديدة كي نعبر عن وطننا بصورة فضلى، ويمكن أن يتحول يوم العلم إلى منصة رمزية لإعادة صياغة الاحتفال بتنوعنا واختلافنا، فحين يلتف الأردنيون، كل الأردنيين، حول علم واحد، فهم لا يلغون اختلافاتهم، بل يضعونها تحت مظلة جامعة، تعطي لكل فرد مساحة ليكون جزءاً من الكل دون أن يفقد صوته الخاص، فعلمنا ليس علم اللون الواحد، بل فيه ألوان متعددة لعصور متعددة يجمعهم مثلث الراية الهاشمية، مثلث يتكون من وطن وملك وشعب، هذا هو المعنى الحقيقي للوطن، لأردننا كما أحبه وكما أراه، وطن قادر على جمع التنوع والاختلاف ضمن إطار واحد، دون أن ينفجر من الداخل..
نحن الأردنيين لا نختلف على وطننا، بل نختلف في طرق التعبير عن حبنا له، وهذا الاختلاف، إذا أُحسنت إدارته، يمكن أن يكون مصدر قوة استثنائية، في منطقة كان مقتلها الهويات الفرعية أو كما أطلق عليها أمين معلوف الهويات القاتلة، فتنوعنا قوة، ولكن إذا تم التعامل معه بوصفه تهديداً، فإنه يتحول إلى عبء يثقل كاهل الدولة والمجتمع معاً، لذلك علينا أن نتذكر أن يوم العلم، في جوهره، دعوة مفتوحة لأن نحتفل بالأردن كما هو، متنوعاً ومتماسكاً وقادراً على أن يحتضن الجميع تحت راية واحدة أهدانا إياها الهاشميون.